تحولت مخاطر الذكاء الاصطناعي ومستقبل تنظيمه إلى محور نقاش متصاعد في العاصمة الأميركية واشنطن، مع تزايد التحذيرات من التطور السريع للنماذج المتقدمة، في مقابل دعوات من قطاع التكنولوجيا إلى مواصلة الابتكار مع وضع ضوابط أكثر وضوحاً للأمان.
وجمعت إحدى الندوات الحوارية في واشنطن ممثلين عن شركات كبرى، بينها أوبن إيه آي ومايكروسوفت وغوغل، إلى جانب ناشطين في مجال حقوق المستهلك، حيث تركز النقاش على استعادة ثقة الجمهور، وآليات الرقابة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتأثير التوسع في مراكز البيانات على الطاقة والمياه.
وتأتي هذه النقاشات في أعقاب الاستقالة التي أثارت اهتماماً واسعاً للباحث جاكوب كوكسون من شركة أنثروبيك، بعد عمل سابق في أوبن إيه آي.
وقال كوكسون إن مخاوفه ترتبط بالسباق نحو تطوير أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على تحسين نفسها، محذراً من مخاطر محتملة إذا لم تواكب إجراءات السلامة سرعة التطور التقني.
بين التنظيم والابتكار
وخلال النقاش، دافعت ممثلة أوبن إيه آي مادي زازويتا عن أهمية وضع إطار وطني للأمان ومحو الأمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن إجراءات السلامة يجب أن تكون جزءاً من عملية التطوير وليست عائقاً أمامها.
في المقابل، دعا ممثل منظمة Public Citizen إلى رقابة حكومية مستقلة على النماذج المتقدمة، على غرار الآليات المستقلة المستخدمة في قطاعات أخرى عالية المخاطر، معتبراً أن الاعتماد على التقييمات التي تجريها الشركات أو الجهات المرتبطة بها لا يوفر بالضرورة مستوى الاستقلال المطلوب.
وتزامن ذلك مع استمرار الجدل حول قدرات ما يعرف بـ"وكلاء الذكاء الاصطناعي"، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة بصورة أكثر استقلالية.
وقد أثارت حوادث مرتبطة بوصول بعض هذه الأنظمة إلى بيئات أو موارد خارج نطاق الاختبارات نقاشاً حول حدود الصلاحيات التي ينبغي منحها لها.
ولا يقتصر الجدل على الأمن الرقمي؛ إذ أصبحت مراكز البيانات العملاقة، التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء والمياه لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتبريد الخوادم، جزءاً أساسياً من النقاش السياسي والمجتمعي في الولايات المتحدة.
وخلال الندوة، عرضت مسؤولة السياسات العامة للذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت آني غيفوركيان توجهات الشركة المتعلقة بالمسؤولية في استخدام الموارد والحد من آثار عمليات التبريد.
وتشغل غيفوركيان منصباً في سياسات الذكاء الاصطناعي المسؤول لدى مايكروسوفت، مع تركيز على قضايا التنظيم والحوكمة.
كما برزت خلال النقاش مسألة تأثير طفرة الذكاء الاصطناعي على المجتمعات المحلية، ولا سيما الفئات التي قد تجد نفسها خارج التحول الرقمي.
وأشار مسؤول الاتصالات الثقافية في غوغل خيسوس غارسيا-فالاديز إلى خطر اتساع ما وصفه بـ"الفجوة الرقمية 2.0"، داعياً إلى إشراك المجتمعات المختلفة في تشكيل مستقبل هذه التكنولوجيا.
واشنطن أمام معادلة صعبة
وتتزامن هذه النقاشات مع انقسام سياسي متزايد داخل الولايات المتحدة حول الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع الذكاء الاصطناعي.
ففي الوقت الذي يطالب فيه بعض المشرعين وخبراء السلامة بزيادة الرقابة والتقييمات المستقلة، تركز الإدارة الأميركية على الحفاظ على موقع الولايات المتحدة في المنافسة العالمية، ولا سيما أمام الصين.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد رفض الدعوات إلى تشديد القيود على قطاع الذكاء الاصطناعي، في وقت وصف فيه مستشار التكنولوجيا في إدارته ديفيد ساكس المخاوف المتصاعدة من الذكاء الاصطناعي بأنها جزء من خطاب تخويف، داعياً الشركات إلى تحمل مسؤولية سلامة منتجاتها بدلاً من الاعتماد على تنظيم حكومي واسع.
في المقابل، دفع عدد من الباحثين والشخصيات العاملة في القطاع باتجاه إبطاء بعض مسارات التطوير، فيما دعا مشرعون أميركيون إلى دراسة أطر جديدة للتقييم والرقابة على النماذج الأكثر تقدماً.
وهكذا لم يعد الجدل حول الذكاء الاصطناعي محصوراً في المختبرات وشركات التكنولوجيا، بل انتقل إلى صلب النقاش السياسي في واشنطن، حيث تتقاطع أسئلة الأمان والرقابة مع المنافسة الاقتصادية والأمنية واستهلاك الطاقة والمياه.
ويبقى التحدي أمام صناع القرار وشركات التكنولوجيا هو كيفية تحقيق توازن بين الاستفادة من التطور السريع للذكاء الاصطناعي وتقليل المخاطر المحتملة، في وقت تتقدم فيه قدرات النماذج بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على بناء قواعد موحدة لتنظيمها.

