بدأ الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه تدريجياً على سوق العمل العراقي، في تحول قد يعيد تشكيل طبيعة عدد من الوظائف المكتبية والمهنية خلال السنوات المقبلة، مع تزايد الاعتماد على الأدوات القادرة على تنفيذ المهام الروتينية بسرعة وكلفة أقل.
ولا تشير التقديرات الحالية إلى اختفاء واسع للوظائف في العراق، بقدر ما تعكس تغيراً في طبيعة العمل نفسه.
فإدخال البيانات، والأرشفة، والمراسلات، وبعض الأعمال الإدارية والمحاسبية المتكررة، إلى جانب إعداد المحتوى الإعلامي الأساسي وخدمة الزبائن، تبدو من بين المجالات الأكثر قابلية للتأثر بالأتمتة.
ويثير هذا التحول قلقاً خاصاً لدى الخريجين الجدد، الذين يعتمدون عادة على الوظائف المبتدئة للحصول على أول خبرة مهنية.
ومع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى هذه المهام، قد تصبح المنافسة على فرص البداية أكثر صعوبة، في وقت تتغير فيه المهارات التي تبحث عنها المؤسسات.
وتعكس تجربة فرح، خريجة كلية الإعلام في بغداد، جانباً من هذا الواقع.
فقد أمضت فترة في إرسال سيرتها الذاتية إلى مؤسسات إعلامية وشركات ومكاتب بحثاً عن فرصة في التحرير أو إعداد المحتوى أو الأعمال الإدارية، لكنها لاحظت أن جزءاً من المهام التي كانت تستهدفها أصبح من الممكن إنجازه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتقول إن إعادة صياغة النصوص وإعداد المسودات الأولية وتلخيص المعلومات وترتيبها باتت تتم بصورة أسرع عبر هذه الأدوات، الأمر الذي دفعها إلى إعادة النظر في المهارات التي تحتاج إليها لدخول سوق العمل.
وبالنسبة إلى كثير من الخريجين، لم تعد الشهادة الجامعية والخبرة الأولية في الكتابة أو الأعمال الإدارية كافيتين وحدهما، إذ تتزايد أهمية المهارات الرقمية والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي ودمجها مع المهارات المهنية الأساسية.
ويرى المختص في التقنيات علي كريم أن تأثير الذكاء الاصطناعي على فرص العمل المكتبية في العراق بدأ بالفعل، لكنه لا يزال تدريجياً، ولا توجد مؤشرات حتى الآن على إلغاء واسع للوظائف.
ويشير إلى أن التأثير الأكبر سيكون في الأعمال التي تعتمد على التكرار والمهام المحددة مسبقاً، مثل إدخال البيانات وبعض الأعمال الإدارية والمحاسبية، إضافة إلى أجزاء من العمل الإعلامي، متوقعاً أن تتجه المؤسسات مستقبلاً إلى استخدام الأتمتة لتقليل الوقت والكلفة.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي هذا التحول إلى ظهور وظائف جديدة ترتبط بالبيانات وإدارة الأنظمة والتقنيات والذكاء الاصطناعي، ما يجعل قدرة الموظف على الجمع بين تخصصه الأصلي والأدوات التقنية عاملاً أكثر أهمية في سوق العمل.
ولا يقتصر القلق على الوظائف الحالية، إذ يرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن التأثير الأكبر قد يظهر في التوظيف الجديد.
فالمؤسسة التي كانت تحتاج إلى عدد من الموظفين لإنجاز مجموعة من المهام المكتبية قد تتمكن، بعد إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي، من تنفيذ جزء من العمل بعدد أقل من العاملين.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في العراق، حيث يواجه سوق العمل أصلاً صعوبة في استيعاب أعداد الخريجين الجدد، ما يعني أن تقلص الوظائف المبتدئة قد يزيد من صعوبة انتقال الشباب من الجامعة إلى الحياة المهنية.
مع ذلك، لا يرى الخبراء أن الصورة تتجه بالكامل نحو فقدان الوظائف.
فالتحول التقني يمكن أن يفتح المجال أمام فرص جديدة للأشخاص الذين يمتلكون مزيجاً من المعرفة المتخصصة والمهارات الرقمية.
ويضع أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي هذا التحول في إطار أوسع، معتبراً أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العراقي بدأ فعلياً، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.
ويرى السعدي أن بعض المخاوف المرتبطة بتخصصات الإدارة والمحاسبة والإعلام لها ما يبررها، خصوصاً أن بعض الوظائف التقليدية كانت تمثل بوابة أولى للخريجين إلى سوق العمل، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء هذه المهن.
الفكرة الأساسية، بحسبه، هي أن الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الوظيفة أكثر مما يلغيها.
فالمحاسب الذي يمتلك المعرفة المالية ويجيد تحليل البيانات واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر إنتاجية، وكذلك الإداري القادر على استخدام الأتمتة واتخاذ القرارات، والإعلامي الذي يستفيد من التقنية مع الحفاظ على مهارات التحقيق والتحليل والتفكير النقدي.
ومن هنا يبرز مفهوم "المتخصص الهجين"، أي الشخص الذي لا يعتمد على تخصصه الأكاديمي وحده، وإنما يضيف إليه مهارات رقمية وتقنية تساعده على مواكبة التغيرات في سوق العمل.
وتبدو الجامعات العراقية أمام اختبار مهم في هذا السياق، يتمثل في قدرتها على ربط التعليم الأكاديمي بالمهارات المطلوبة في سوق العمل الجديد، بما يشمل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأتمتة، إلى جانب المهارات الإنسانية التي يصعب استبدالها بالكامل.
ولا تبدو هذه التحولات عراقية فقط، إذ تأتي ضمن تغير عالمي أوسع في العلاقة بين التكنولوجيا والعمل.
فقد أعلنت الصين في كانون الثاني/يناير 2026 توجهها إلى إصدار سياسات لمعالجة تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف وتعزيز فرص التوظيف، مع اهتمام خاص بخريجي الجامعات والشباب الباحثين عن العمل.
وفي آب/أغسطس 2026، قالت منظمة العمل الدولية إن معدل بطالة الشباب عالمياً بلغ 12.4% خلال عام 2025، بما يعادل نحو 67 مليون شاب، بينما بلغت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً نحو 20%.
كما أشارت المنظمة إلى تراجع بعض الوظائف التي كانت تمثل مساراً تقليدياً لدخول الشباب إلى سوق العمل، ومنها بعض الوظائف المكتبية والإدارية والخدمات والمبيعات والمهن التقنية.
وفي الولايات المتحدة، أظهرت دراسة لجامعة ستانفورد تناولت الفترة من أواخر عام 2022 حتى منتصف عام 2025 تراجعاً في توظيف الفئة العمرية بين 22 و25 عاماً في بعض المهن الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، ولا سيما تطوير البرمجيات وخدمات العملاء.
لكن التطور العالمي لا يقدم صورة قاتمة بالكامل.
فقد خلص تحليل نشره مختبر ييل للميزانية في حزيران/يونيو 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي، منذ ظهور ChatGPT في عام 2022، كان حتى ذلك الوقت أكثر ارتباطاً بتغيير طبيعة الوظائف من إلغائها، من دون ظهور علاقة واضحة بين استخدامه والتغيرات الإجمالية في معدلات التوظيف أو البطالة الأميركية.
وبالنسبة إلى العراق، يبدو أن السؤال الأهم خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائف العراقيين؟ بل أيضاً: من سيستطيع العمل معه بكفاءة؟
فمع انتقال المؤسسات تدريجياً نحو التكنولوجيا، قد تصبح القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي جزءاً من المهارات الأساسية التي تحدد فرص الحصول على الوظيفة والاستمرار فيها.
وفي المقابل، ستظل المهارات المرتبطة بالتفكير النقدي والتحليل والإبداع والتواصل واتخاذ القرار عناصر مهمة في المهن التي لا يمكن اختزالها في مهام روتينية.
وبذلك، قد يكون التحول الذي يواجه سوق العمل العراقي أقل ارتباطاً باختفاء مهن كاملة، وأكثر ارتباطاً بتغير محتوى الوظيفة نفسها.
وكلما تسارعت وتيرة استخدام التكنولوجيا، أصبحت إعادة التدريب وتحديث المناهج التعليمية ورفع المهارات الرقمية عوامل أكثر حسماً في تحديد مستقبل الخريجين والموظفين.

