الحدث العراقي
سياسية-فريق التحرير

العراق بين واشنطن وطهران.. هل يتحول الاقتصاد إلى ساحة جديدة للضغط الأمريكي؟

٢٦ آب ٢٠٢٦
•1 دقائق قراءة
العراق بين واشنطن وطهران.. هل يتحول الاقتصاد إلى ساحة جديدة للضغط الأمريكي؟
سياسية-فريق التحرير

تتجه المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة أكثر تعقيداً، مع تحذيرات واشنطن من استهداف الجهات والدول التي تواصل تقديم دعم اقتصادي لطهران، في وقت يبرز فيه العراق بوصفه إحدى أكثر الساحات حساسية بسبب علاقاته الوثيقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران.

وبحسب تحليل أعدته وكالة «رويترز»، فإن العراق يقدم نموذجاً واضحاً لطبيعة النفوذ الذي يمكن أن تمارسه واشنطن من خلال النظام المالي العالمي القائم على الدولار، بعدما سبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على مصارف عراقية على خلفية اتهامات تتعلق بالتعامل مع إيران، مع تجنب إجراءات قد تؤدي إلى إلحاق أضرار واسعة بالاقتصاد العراقي.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حذر من أن الدول التي توفر لإيران دعماً اقتصادياً حيوياً قد تواجه عواقب، فيما تحدث وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن «هجوم اقتصادي» يستهدف طهران وشركاءها التجاريين.

ويضع هذا التصعيد العراق أمام معادلة شديدة الحساسية.
فمن جهة، تعتمد بغداد بصورة كبيرة على النظام المالي الدولي والوصول إلى الدولار، ومن جهة أخرى ترتبط بعلاقات تجارية واقتصادية واسعة مع إيران، تشمل التجارة والطاقة.

ومنذ عام 2003، امتلكت الولايات المتحدة أدوات نفوذ مهمة على حركة الإيرادات النفطية العراقية بالدولار، في ظل احتفاظ العراق بجزء كبير من احتياطياته المالية في الولايات المتحدة.
ويمنح هذا الواقع واشنطن قدرة مؤثرة على متابعة حركة الأموال العراقية وفرض قيود على المؤسسات التي ترى أنها لا تلتزم بالضوابط الأمريكية.

وخلال السنوات الماضية، استهدفت العقوبات الأمريكية عدداً من المصارف العراقية، في محاولة للحد من عمليات يُشتبه في ارتباطها بإيران.
كما كشفت «رويترز» في أواخر عام 2024 عن شبكة لتهريب زيت الوقود قالت إنها تدر إيرادات كبيرة لإيران ووكلائها في العراق.

ولم تتوقف الضغوط عند القطاع المصرفي.
فقد أفادت تقارير سابقة بأن واشنطن استخدمت أدوات مالية وأمنية للضغط على بغداد بشأن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، في مؤشر على اتساع نطاق الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة في التعامل مع العراق.

تجارة تتجاوز 10 مليارات دولار

وتكشف طبيعة العلاقات التجارية بين بغداد وطهران عن سبب صعوبة فصل الاقتصاد العراقي عن إيران.
فقد تجاوز حجم التجارة بين البلدين 10 مليارات دولار خلال عام 2025، وفق الأرقام الواردة في التحليل، وشملت بصورة أساسية الأغذية والسلع الاستهلاكية والطاقة.

وتحتل الطاقة مكانة خاصة في هذه العلاقة، إذ يعتمد العراق على الغاز الإيراني لتشغيل جزء من منظومة إنتاج الكهرباء، ويدفع مليارات الدولارات سنوياً مقابل واردات الغاز، ما يجعل أي قيود أمريكية جديدة على المدفوعات ملفاً بالغ الحساسية بالنسبة إلى بغداد.

وفي المقابل، يمثل العراق منفذاً اقتصادياً مهماً لإيران في ظل العقوبات المفروضة عليها، كما يوفر السوق العراقي مساحة واسعة للصادرات الإيرانية والتعاملات التجارية.

وتزداد صعوبة المعادلة مع استمرار اعتماد العراق على النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل بغداد أكثر عرضة لتداعيات أي تصعيد أمريكي يستهدف العلاقات الاقتصادية مع طهران.

هل تستطيع واشنطن الضغط من دون الإضرار بالعراق؟

يرى خبراء نقلت «رويترز» آراءهم أن تشديد القيود على التعاملات المرتبطة بإيران قد يزيد الضغوط على المصارف العراقية والقطاع المالي غير الرسمي، لكنه في الوقت نفسه قد يفرض تكاليف اقتصادية على العراق نفسه.

وتبرز هنا مسألة قدرة بغداد على إيجاد بدائل.
فدول مثل الصين وتركيا تمتلك اقتصادات أكبر وهوامش أوسع للتعامل مع الضغوط المالية، بينما يعتمد العراق بدرجة كبيرة على عائدات النفط وعلى استمرار وصوله إلى النظام المالي الدولي.

ولهذا، قد لا تكون العقوبات وحدها كافية لتحقيق الهدف الأمريكي، خصوصاً أن العلاقات بين العراق وإيران لا تقتصر على التحويلات المصرفية، بل تمتد إلى التجارة والطاقة والحدود والاستثمارات وشبكات اقتصادية غير رسمية.

ويرى بعض الخبراء أن تقديم حوافز ومساعدة فنية للعراق لتطوير نظامه المصرفي وتعزيز الرقابة المالية قد يكون أكثر فاعلية من توسيع العقوبات، خصوصاً إذا كان الهدف النهائي هو تقليص قدرة إيران على استخدام القنوات العراقية من دون إحداث اضطراب واسع في الاقتصاد العراقي.

وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن زيادة الضغط على طهران، تبدو بغداد أمام اختبار صعب للحفاظ على علاقاتها مع حليفين متنافسين.
فالعراق يحتاج إلى علاقاته مع الولايات المتحدة لضمان استقرار نظامه المالي ودعم اقتصاده، بينما يصعب عليه في المقابل التخلي سريعاً عن علاقاته الاقتصادية مع إيران، ولا سيما في قطاع الطاقة والتجارة.

وبذلك، قد يتحول العراق إلى اختبار عملي لمدى قدرة الولايات المتحدة على استخدام قوة الدولار والنظام المالي العالمي في الضغط على إيران، من دون أن يؤدي ذلك إلى ارتدادات اقتصادية واسعة على أحد أبرز الشركاء في المنطقة.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!