تتجه أزمة السلاح المنفلت في العراق إلى مرحلة أكثر تعقيداً مع اقتراب الموعد المحدد سابقاً لنزع سلاح الفصائل، في وقت تتداول أوساط سياسية صيغة تقوم على «تجميد» الأسلحة بدلاً من تسليمها، بما يسمح بإخراجها من الاستخدام المباشر دون إنهاء حيازتها من جانب الفصائل.
وتأتي هذه التحركات قبل نحو عشرين يوماً من الموعد الذي كان محدداً لنزع السلاح، فيما يتزامن ذلك مع استعداد القوات الأميركية لمغادرة العراق في 30 أيلول، وسط مخاوف من أن يتحول ملف السلاح إلى أزمة سياسية وأمنية مفتوحة.
وبحسب قيادي شيعي مطلع على المفاوضات تحدث لـ«المدى» شريطة عدم الكشف عن اسمه، تقوم إحدى الصيغ المطروحة على تخزين الأسلحة في أماكن معلومة للحكومة، على أن يكون استخدامها مرتبطاً بموافقة مسبقة من رئيس الوزراء علي الزيدي.
وتسمح هذه الصيغة، وفق التصور المتداول، للحكومة بالقول إن السلاح أصبح تحت السيطرة، بينما لا تضطر الفصائل إلى تسليم ترساناتها، في حين تحتفظ إيران، التي ترتبط بها معظم هذه الجماعات، بأوراق القوة التي تحتاج إليها في العراق، بحسب ما يطرحه القيادي.
وتشبه هذه الصيغة، إلى حد كبير، ما أعلنته حركة حماس في غزة الشهر الماضي بشأن استعدادها لـ«تجميد» السلاح مقابل إعادة الحياة إلى القطاع، من دون أن يعني ذلك اختفاء السلاح أو التخلي عنه.
ولا يؤكد القيادي أن الصيغة العراقية جاءت من طهران أو أنها نسخة من النموذج المتداول في غزة، لكنه لا يستبعد أن تكون إيران تبحث عن مخرج يحفظ مصالحها في المنطقة والعراق معاً، مشيراً إلى استمرار الحوار مع الفصائل بشأن المقترح.
وفي إحدى الصيغ المطروحة، يتضمن «تجميد» السلاح تخزينه في مواقع معروفة للحكومة، مع تعهد بعدم استخدامه أو إطلاق النار منه من دون علم رئيس الوزراء.
في المقابل، لا تبدو الفصائل المسلحة مستعدة للتخلي عن ترساناتها التي تضم صواريخ ومسيّرات، فيما وضعت بعض الجماعات شروطاً للمشاركة في الحوار، اعتبرها محللون أقرب إلى شروط قد تعرقل العملية.
ومع ذلك، يقول القيادي الشيعي إن الحوار ما يزال مستمراً، وإن لجنة الحوار الثلاثية الشيعية توسعت بعد انضمام همام حمودي، رئيس المجلس الأعلى.
وفي المقابل، قال عضوان في اللجنة إن تفكيك السلاح ليس مطروحاً عملياً.
ورفض هادي العامري، زعيم منظمة بدر، نزع السلاح، لكنه نفى احتمال الذهاب إلى صدام مسلح، بينما حذر نوري المالكي من أن نزع السلاح قد يؤثر في «نفسية الفصائل».
وتقول قراءات سياسية إن الإطار التنسيقي تراجع عن تفاهمات سابقة بشأن نزع السلاح، ما دفع رئيس الوزراء إلى الاستعانة بـ«إدارة الدولة»، التحالف الذي يضم القوى السياسية المشاركة في الحكومة، لتثبيت تعهدات بدأ التراجع عنها.
لكن الاجتماعات السياسية الأخيرة لم تقدم مؤشراً واضحاً على حسم الملف، إذ عقد الإطار التنسيقي اجتماعاً مساء الاثنين في منزل رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، إلى جانب اجتماع لـ«إدارة الدولة»، من دون أن يحتل ملف السلاح موقعاً رئيسياً في النقاش.
وتغيرت لهجة بغداد بشأن الملف أيضاً، إذ انتقل النقاش من إجراءات محتملة بحق الرافضين لتسليم السلاح إلى طرح تشريع قانون للحشد الشعبي، في خطوة يمكن أن تُفهم بوصفها حافزاً للفصائل التي توافق على الصيغة الجديدة.
لكن في واشنطن، قد لا يكون تغيير الصيغة أو الاسم كافياً، بحسب السياسي المستقل ومؤسس حزب الأمة مثال الألوسي، الذي يرى أن أزمة السلاح تتجاوز الجانب الأمني إلى صراع على السلطة داخل البيت الشيعي.
وقال الألوسي لـ«المدى» إن قيادات داخل الإطار، بحسب ما يسمعه في واشنطن، تحاول الاستفادة من مسار نزع السلاح أو إفشاله، مشيراً إلى أن أحد أهداف هذه التحركات قد يكون العودة إلى رئاسة الحكومة.
ويختصر الألوسي المسألة بأنها صراع على من يملك الحكومة وقرارها، ومن يستطيع التأثير في رئيس الوزراء، في إطار ما يصفه بـ«الحكومة العميقة» في العراق.
ويرى أن السلاح مرتبط أيضاً باقتصاد سياسي أوسع، قائلاً إن الصراع داخل الإطار يشمل النفوذ على المال، معتبراً أن «السلاح يعني المال، والمال يعني الميليشيات».
كما يربط الألوسي هذه المعركة بمحاولات تشكيل لوبي في واشنطن، ويقول إن الإطار، بدفع إيراني، يسعى إلى بناء شبكة في العاصمة الأميركية لإعطاء الإدارة والمؤسسات الأميركية انطباعاً إيجابياً عن القوى الراغبة في البقاء في السلطة.
ويقول إن هذه المحاولات تشمل أشخاصاً لهم علاقات سابقة أو حالية في الولايات المتحدة، وآخرين يذكر أن لهم صلات بالحرس الثوري الإيراني، معتبراً أن الهدف النهائي سياسي، ويتمثل في تثبيت السلطة الحالية أو العودة إليها، والتوصل إلى تفاهم مع المؤسسات الأميركية بشأن مستقبل حكومة الزيدي.
ويحذر الألوسي من أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تختلف عن الإدارات السابقة، وأن واشنطن، بحسب تقديره، لن تتسامح مع محاولات الالتفاف على شروطها.
وفي السياق نفسه، يضع الدبلوماسي السابق غازي فيصل أزمة السلاح ضمن مواجهة أوسع تتعلق بالمصالح الأميركية في العراق والمنطقة والخليج، ويرى أن واشنطن لن تتخلى عن مصالحها الاستراتيجية، وأن مواجهة النفوذ الإيراني والفصائل المرتبطة به ستستمر.
ويعتقد فيصل أن هزيمة إيران في مواجهة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ستنعكس في النهاية على الفصائل المسلحة المتحالفة معها.
لكن العقوبات قد تكون الاختبار الأقرب، إذ حذر وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري من احتمال فرض عقوبات على العراق إذا تحولت الأزمة إلى مواجهة مفتوحة، مشيراً إلى إمكانية أن تطال قطاعات الطيران والنفط والغاز والمعاملات المالية والمصارف وشخصيات عراقية.
ويقول زيباري إنه لا يريد مواجهة شيعية-شيعية ولا صداماً بين الحكومة والفصائل، مستحضراً تجربة إقليم كردستان، حين أدى النزاع الكردي-الكردي إلى سنوات من الانقسام، قبل أن احتاجت الأوضاع إلى سنوات أخرى لإصلاح آثارها.
ويرى أن الحكومة لا تستطيع ممارسة الحكم بصورة كاملة في ظل وجود قوى مسلحة يمكن أن تهدد الأمن أو علاقات العراق الخارجية أو تمنع المستثمرين من دخول البلاد.
أما الألوسي، فيرى أن استمرار الفصائل وتوسيع سلطة الحشد الشعبي يخدم، بحسب تفسيره، هدفين متداخلين، هما حماية النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، والحفاظ على منظومة حكم يصفها بأنها تختلف عن النموذج الديمقراطي والدستوري المفترض في العراق.
ويربط الألوسي هذا التفسير بمواقف قادة الفصائل من احتجاجات تشرين، مشيراً إلى تصريحات هادي العامري الأخيرة بشأن ما وصفه بـ«الفتنة».
كما يوجه الألوسي اتهاماً إلى إيران وحلفائها في العراق بشأن قتل المتظاهرين، مؤكداً أن ذلك، بحسب اعتقاده، نُفذ بأوامر إيرانية، ويصف الفصائل المسلحة بأنها «اليد الطولى» للنفوذ الإيراني والحرس الثوري في العراق.
وفي المحصلة، لا يتوقع الألوسي أن يُحسم ملف السلاح داخل الإطار التنسيقي وحده، ويرى أن رئيس الوزراء يحتاج إلى البحث عن قوة سياسية خارج المعادلة التي تحاول تطويقه.
ويقترح على الزيدي بناء تحالف وطني يضم قوى من الأنبار والموصل وصلاح الدين، إلى جانب العلمانيين والمدنيين والديمقراطيين والكرد، على أساس الخدمات ووحدة البلاد وتطبيق الدستور.

