الحدث العراقي
سياسية-فريق التحرير

العراق بعد الانسحاب الأميركي.. تهديدات الفصائل تفتح ملف السيادة وقرار الدولة

٣٠ أيلول ٢٠٢٦
•1 دقائق قراءة
العراق بعد الانسحاب الأميركي.. تهديدات الفصائل تفتح ملف السيادة وقرار الدولة
سياسية-فريق التحرير

تدخل بغداد مرحلة جديدة مع اقتراب موعد انتهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بشأن إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران، وحدود نفوذ الفصائل المسلحة في القرارات الأمنية والسياسية.
وبينما تستعد الحكومة العراقية لتقديم الانسحاب الأميركي بوصفه محطة مرتبطة باستعادة السيادة، جاءت تهديدات أطلقتها كتائب حزب الله لتضع هذا الملف أمام اختبار جديد.

ففي بيان صدر مساء الاثنين، هددت الكتائب بالعمل على إسقاط حكومة علي الزيدي إذا لم تتخذ مواقف تتوافق مع مطالبها، كما لوحت بإجراءات ضد دول قالت إنها تشارك في ما وصفته بالحصار الجوي المفروض على إيران.
وتضمن البيان تهديداً بمراقبة الأجواء العراقية وإنذار الطائرات التي تعتبرها الجماعة معادية قبل استهدافها إذا واصلت التحليق.

وجاء التصعيد في سياق الخلاف بشأن الرحلات الجوية بين العراق وإيران، بعدما تحدثت بغداد عن التوصل إلى استثناء محدود يسمح بتسيير رحلات من مطار النجف إلى إيران، ضمن شروط أميركية تتعلق بطبيعة الرحلات والمسافرين والأنشطة المرتبطة بها.

استثناء جوي بشروط أميركية

وبحسب وثيقة متداولة نقلت صحيفة «المدى» تفاصيلها، منح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية الخطوط الجوية العراقية ترخيصاً مؤقتاً ينتهي في 28 تشرين الأول 2026، لتسيير رحلات محددة بين النجف وإيران.

وتشير التفاصيل المنشورة إلى أن الترخيص يقصر الرحلات على مسار يبدأ من النجف ويعود إليها، مع السماح بنقل الحجاج الدينيين الإيرانيين وفق شروط محددة، واستبعاد الأشخاص الخاضعين للعقوبات الأميركية، إلى جانب قيود على نقل الأموال والشحنات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الإيرانية.

كما تتضمن الشروط، وفق الوثيقة، تقديم بيانات عن الرحلات والمسافرين، ومعلومات تتعلق بالوقود والصيانة والخدمات التي تقدمها الخطوط الجوية العراقية في إيران.
ويظل الترخيص قابلاً للتعديل أو الإلغاء وفق ما تراه السلطات الأميركية، ما يجعل استمرار الرحلات مرتبطاً بالالتزام بالضوابط المحددة.

وتكشف هذه الشروط عن جانب من التعقيدات التي تواجه بغداد في إدارة علاقاتها مع واشنطن وطهران، إذ تسعى الحكومة إلى تنظيم حركة الطيران وفق تفاهمات تسمح بها الولايات المتحدة، بينما ترفض فصائل مسلحة ما تعتبره قيوداً على حركة العراق وعلاقاته مع إيران.

وفي بيانه، انتقد المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، ما وصفه بتمرير قرارات حكومية لا تعلن الجهات المعنية مسؤوليتها عنها بصورة مباشرة.
وذهب إلى التهديد بإسقاط الحكومة، محذراً من استمرار الإجراءات المرتبطة بالرحلات الجوية بعد الأول من تشرين الأول.

هل يتجاوز التصعيد ملف الطيران؟

يرى مسؤول سابق قريب من الحكومة، بحسب ما نقلته «المدى»، أن توقيت البيان يعكس محاولة من الفصائل لإظهار قدرتها على التأثير بالتزامن مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي.
ووفق هذه القراءة، قد تشكل المرحلة المقبلة اختباراً للعلاقة بين المؤسسات الحكومية والجماعات المسلحة، خصوصاً في الملفات التي تتداخل فيها المصالح العراقية والأميركية والإيرانية.

في المقابل، يربط الباحث في الشأن السياسي أحمد الياسري حدة الخطاب بمستوى الضغط الذي تتعرض له الفصائل، معتبراً أن ملف الطيران الإيراني يمثل أحد العوامل المباشرة وراء التصعيد.
ويرى أن المواقف المعلنة قد تهدف إلى تثبيت الحضور السياسي للفصائل وإظهار استمرار قدرتها على التأثير، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود خطة فعلية لإسقاط الحكومة أو الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.

ويطرح هذا التفسير سؤالاً يتعلق بقدرة الفصائل على تحويل نفوذها العسكري إلى مشروع سياسي أوسع، في ظل الخلافات القائمة بينها وبين قوى عراقية أخرى، بما فيها أطراف كردية وسنية، فضلاً عن التباينات داخل المشهد السياسي الشيعي نفسه.

ويشير الياسري إلى أن امتلاك السلاح والنفوذ لا يعني تلقائياً القدرة على فرض السيطرة على الدولة، لافتاً إلى أن حسابات الفصائل تتأثر أيضاً بالتوازنات الإقليمية وباحتمالات ردود الفعل الأميركية والإسرائيلية في حال اتساع المواجهة.

السيادة لا تتعلق بالانسحاب وحده

من جهته، يضع النائب السابق في إقليم كردستان عبد السلام برواري ملف الفصائل المسلحة ضمن نقاش أوسع بشأن قدرة الدولة العراقية على احتكار القرار الأمني.
ويشير إلى أن الوجود الأميركي الذي بدأ بطلب من الحكومة العراقية عام 2014 جاء في إطار الحرب على تنظيم داعش، وأن ترتيبات إنهاء المهمة العسكرية ترتبط باتفاقات بين بغداد وواشنطن.

لكن برواري يرى أن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يكفي وحده لحسم مسألة السيادة، ما دامت جماعات مسلحة قادرة على توجيه تهديدات مباشرة إلى الحكومة أو إعلان مواقف تتعارض مع توجهاتها الرسمية.

ويضيف إلى ذلك ملف الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، معتبراً أنه يمثل جانباً آخر من التحديات التي تواجه القرار الأمني العراقي.
وتحدث عن مواقع ومعسكرات تركية داخل البلاد، وعن انعكاسات العمليات العسكرية على عدد من القرى في المناطق المتأثرة بالنزاع، وهي تقديرات وردت في تصريحاته للصحيفة.

وبحسب برواري، فإن انتهاء المهمة الأميركية لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير جذري في المشهد الأمني، كما أنه لا يعني تلقائياً انتهاء دور الفصائل المسلحة.
لكنه قد يضعف أحد المبررات التي استندت إليها بعض الجماعات لتفسير استمرار عملياتها ضد الوجود الأميركي، مع بقاء الخلافات الإقليمية عاملاً يمكن أن يمدد دورها.

ومع اقتراب الأول من تشرين الأول، تتداخل في العراق ثلاثة ملفات رئيسية: ترتيبات إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، ومستقبل العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، وحدود نفوذ الفصائل المسلحة في قرارات الدولة.
وبينما تمثل نهاية المهمة محطة مهمة في مسار العلاقات العراقية الأميركية، فإن اختبار السيادة سيظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الأمن والعلاقات الخارجية واتخاذ القرارات بعيداً عن التهديدات المسلحة.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

العراق بعد الانسحاب الأميركي.. تهديدات الفصائل تفتح ملف السيادة وقرار الدولة