رجّح الباحث والمحاضر في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، أن تؤدي أي إجراءات عقابية أو ضغوط اقتصادية تفرضها واشنطن على العراق إلى تغييرات واسعة داخل المشهد السياسي، قد تصل إلى إعادة تشكيل النخبة الحاكمة وترتيب موازين القوى في البلاد.
وقال الهيتي إن الضغوط الأميركية المرتقبة قد تدفع نحو انقسام سياسي أكثر وضوحاً بين القوى التي تتمسك بمفهوم الدولة ومؤسساتها، وتلك التي ترتبط بمنظومة السلاح والفصائل المسلحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة قد تشهد فرزاً سياسياً يصعب معه استمرار المواقف الرمادية بين الطرفين.
وأوضح أن طبيعة النخبة السياسية العراقية الحالية تساعد على فهم حجم التناقضات داخل النظام السياسي، مشيراً إلى أن تركيبتها تضم شخصيات جاءت من خلفيات أمنية أو حركات مسلحة وتشكيلات عسكرية، إلى جانب قوى ذات تكوين حزبي أو ديني، وهو ما يجعل مراكز القرار عرضة لتباينات عميقة بشأن شكل الدولة وطبيعة علاقتها بالسلاح والقوى الإقليمية.
ويرى الهيتي أن القيود الاقتصادية الأميركية، في حال اتساع نطاقها، قد تدفع القوى السياسية المدنية والحزبية التي لا تمتلك أجنحة مسلحة إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً، خشية أن تؤدي مجاراة القوى المسلحة إلى عزل العراق سياسياً أو زيادة الضغوط على اقتصاده.
وبحسب تقديره، فإن هذا المسار قد يؤدي إلى تشكل معسكرين سياسيين أكثر تمايزاً؛ الأول يميل إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، بينما يتمسك الثاني بموقفه الرافض لنزع سلاح الفصائل ويرى في علاقاته الإقليمية، ولا سيما مع إيران، جزءاً من منظومته السياسية والأمنية.
ورغم ذلك، استبعد الباحث أن يتحول الخلاف إلى حرب أهلية أو مواجهات واسعة في الشارع، معتبراً أن المجتمع العراقي بات أقل استعداداً للانخراط في صراعات مسلحة جديدة، وأن التنافس الحالي يتركز بصورة أساسية داخل الطبقة السياسية ومراكز القرار العليا.
ويرى الهيتي أن مسار المواجهة السياسية والاقتصادية قد ينتهي، في نهاية المطاف، لمصلحة القوى التي تتبنى مشروع الدولة، معتبراً أن هذه القوى ستكون الأكثر قدرة على إعادة ترتيب المعادلة السياسية وصياغة شكل جديد للنظام.
وتزامنت هذه القراءة مع إعلان وزارة الخارجية الأميركية اتخاذ إجراءات جديدة ضمن عملية «المنبوذ الاقتصادي»، استهدفت بموجبها «كتائب حزب الله» العراقية و«حزب الله» اللبناني وشبكات مالية قالت واشنطن إنها مرتبطة بتمويل أنشطة إيرانية في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أفادت معلومات بأن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يستعد لزيارة الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد انتهاء جولته الأوروبية المرتقبة التي تشمل فرنسا وألمانيا، وسط مساعٍ لترتيب لقاء جديد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
ومن المقرر أن يبدأ الزيدي جولته الأوروبية الأسبوع المقبل، حيث يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس في 14 أيلول/سبتمبر، قبل التوجه إلى ألمانيا، في تحرك يركز على توسيع التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني مع الدول الأوروبية.
وكان الزيدي قد زار الولايات المتحدة في تموز/يوليو الماضي على رأس وفد عراقي رفيع، في زيارة رسمية استمرت خمسة أيام، وبحث خلالها توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، وتنشيط سوق العمل، إلى جانب تطوير قطاع النفط وفتح منافذ جديدة أمام صادرات الخام وزيادة قدرات الإنتاج والتصفية.
وتضع هذه التحركات العراق أمام مرحلة حساسة، تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع ملف السلاح والعلاقات الخارجية، فيما يبقى اتجاه المشهد مرتبطاً بقدرة الحكومة والقوى السياسية على إدارة الخلافات دون انتقالها إلى صدام أوسع داخل البلاد.

