تدخل العلاقات العراقية الأميركية مرحلة جديدة مع اقتراب انتهاء الوجود العسكري الأميركي بصيغته الحالية في العراق، وسط تساؤلات حول شكل الشراكة التي ستجمع بغداد وواشنطن خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كان التعاون الأمني سيحافظ على مستواه في ظل تغير طبيعة المهمة الأميركية.
ويرى الباحث في معهد واشنطن والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي أندرو تابلر أن مستقبل العلاقة يتجه نحو شراكة استراتيجية وثنائية مباشرة، معتبراً أن استقرار العراق وقدرة حكومته على فرض سيطرتها على أراضي البلاد سيكونان من أبرز العوامل التي ستحدد مسار هذه العلاقة.
وقال تابلر، في حديث لوكالة شفق نيوز، إن الولايات المتحدة تحتاج إلى علاقة استراتيجية مع العراق، مشيراً إلى أن نجاحها يرتبط بقدرة الحكومة العراقية على تحقيق الاستقرار والعمل مع واشنطن في ملفات أساسية، بينها مكافحة تنظيم داعش، والتعامل مع النفوذ الإيراني، والحفاظ على المصالح المشتركة بين البلدين.
وبحسب الباحث الأميركي، فإن وجود حكومتين في بغداد وواشنطن لا تنظران إلى هذه المصالح بالطريقة نفسها يمكن أن ينعكس سلباً على العلاقات، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الشراكة بين البلدين ستبقى قوية خلال المرحلة الحالية.
وتواجه بغداد في هذا المسار معادلة معقدة، فهي تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تربطها علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع دول إقليمية ودولية أخرى، بينها إيران وتركيا وروسيا والصين.
ويعتبر تابلر أن من الطبيعي أن يعمل العراق على بناء علاقات واسعة مع مختلف الأطراف بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، لكنه يشير إلى أن واشنطن تولي اهتماماً خاصاً بمستوى العلاقة بين بغداد وطهران، إلى جانب ملف الجماعات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش.
ويرى أن زيادة التقارب بين العراق وإيران قد تضع بغداد أمام تحديات في علاقتها مع واشنطن مستقبلاً، ما يجعل قدرة الحكومة العراقية على تحقيق توازن بين علاقاتها الخارجية عاملاً أساسياً في المرحلة المقبلة.
إقليم كوردستان في مرحلة ما بعد الانسحاب
ولا تقتصر تداعيات الانسحاب الأميركي على بغداد، إذ يبرز إقليم كوردستان باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بمستقبل التعاون الأمني بين العراق والولايات المتحدة.
ويقول تابلر إن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر صعوبة بالنسبة إلى الإقليم، بالنظر إلى طبيعة الشراكة الوثيقة التي نشأت بين الولايات المتحدة والقوات الكوردية خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش.
وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن القوات الكوردية تعد من بين أكثر القوات تدريباً في العراق، داعياً الحكومة العراقية إلى التعامل معها باعتبارها شريكاً مهماً في مواجهة التطرف والحفاظ على الاستقرار الأمني.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع انتقال العلاقة بين بغداد وواشنطن من مرحلة التحالف العسكري الدولي إلى صيغة ثنائية مباشرة، الأمر الذي يفتح أسئلة حول طبيعة التعاون المستقبلي بين الولايات المتحدة والقوات الكوردية.
النفط العراقي أمام اختبار الأمن
ويمتد النقاش حول مستقبل العلاقة العراقية الأميركية إلى قطاع الطاقة أيضاً، ولا سيما مع أهمية خطوط الأنابيب ومسارات تصدير النفط العراقي.
ويرى تابلر أن خطوط الأنابيب يمكن أن توفر للعراق خيارات إضافية لتصدير النفط وتجاوز بعض المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، لكن الاستفادة من هذه المسارات تتطلب بيئة أمنية مستقرة وقادرة على حماية البنية التحتية.
ويحذر الباحث من أن استمرار وجود جماعات مسلحة قادرة على التأثير في مفاصل الدولة أو التحرك خارج السيطرة الكاملة للحكومة قد يزيد المخاطر التي تواجه مشاريع البنية التحتية، وهو ما يمكن أن ينعكس أيضاً على قرارات المستثمرين.
ومن وجهة نظره، فإن بناء مشاريع طويلة الأمد مثل خطوط الأنابيب يحتاج إلى ضمانات أمنية واضحة، لأن أي تهديد محتمل للمنشآت الحيوية يمكن أن يرفع كلفة الاستثمار ويحد من قدرة العراق على الاستفادة الكاملة من موقعه الجغرافي وموارده النفطية.
السلاح خارج سيطرة الدولة
ويربط تابلر جانباً كبيراً من هذه التحديات بمسألة السلاح خارج سيطرة الدولة، معتبراً أن معالجة الملف تحتاج إلى حل طويل الأمد وليس إلى تفاهمات مؤقتة توقف الهجمات لفترة محددة.
ويشير إلى أن وقف الهجمات لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر على مشاريع البنية التحتية، إذ يمكن أن تظهر جماعات جديدة أو تستأنف جماعات قائمة نشاطها في وقت لاحق.
ويطرح في هذا السياق ضرورة أن تكون الأسلحة خاضعة لسلطة الدولة، إلى جانب وجود مؤسسات أمنية قوية وقادرة على تمثيل التنوع العراقي، باعتبار ذلك أحد عناصر الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
ويأتي ملف السلاح في وقت تستعد فيه العلاقات العراقية الأميركية للانتقال إلى مرحلة مختلفة، سيكون فيها أداء المؤسسات الأمنية العراقية وقدرتها على التعامل مع التهديدات عاملاً أكثر أهمية في تحديد حجم الدعم والتعاون الأميركي مستقبلاً.
هل تعود القوات الأميركية إلى العراق؟
وفي ما يتعلق باحتمال عودة القوات الأميركية إلى العراق إذا شهد الوضع الأمني تدهوراً في المستقبل، قال تابلر إن هذا الاحتمال موجود، لكنه لا يرجح حدوث عودة مماثلة للوجود العسكري الأميركي السابق على المديين القصير أو الطويل.
وفي المقابل، يرى أن القوات العراقية يمكنها تولي مسؤولية الأمن بدرجة أكبر إذا استمر التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات التدريب والتنسيق وتبادل الخبرات.
ويحذر من أن تراجع هذا التعاون أو تصاعد الخلافات السياسية الداخلية يمكن أن يفرض تحديات على الوضع الأمني، خصوصاً في ظل استمرار التهديدات المرتبطة بتنظيم داعش والجماعات المسلحة.
من التحالف الدولي إلى شراكة ثنائية
ويبدو أن التحول الأبرز في العلاقة بين بغداد وواشنطن لن يكون في انتهاء التعاون الأمني، وإنما في طبيعة هذا التعاون.
فمع انتهاء مهمة التحالف الدولي، يتوقع تابلر أن تتجه العلاقة نحو صيغة ثنائية مباشرة، تشمل التعاون الأمني والتدريب وتبادل المعلومات، إلى جانب ملفات الاقتصاد والطاقة والاستثمار.
ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في مراقبة نشاط تنظيم داعش والحفاظ على مستوى التعاون مع القوات العراقية والكوردية من دون وجود عسكري واسع كما كان عليه الحال خلال السنوات الماضية.
وكانت القوات الكوردية قد لعبت دوراً بارزاً إلى جانب الولايات المتحدة خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا، وهو ما يجعل شكل التعاون معها بعد انتهاء مهمة التحالف أحد الملفات التي ستحتاج إلى ترتيبات جديدة.
وفي الجانب الدبلوماسي، من المتوقع أن يستمر وجود قوات أميركية محدودة مرتبطة بحماية السفارة والقنصلية والمنشآت الدبلوماسية، بينما تنتهي مرحلة الانتشار العسكري الأكبر الذي ارتبط بعمليات الحرب ومكافحة تنظيم داعش.
وفي المحصلة، تبدو العلاقة بين بغداد وواشنطن أمام اختبار مختلف عن المراحل السابقة.
فالتحدي لم يعد مرتبطاً فقط بحجم القوات الموجودة على الأراضي العراقية، بل بقدرة البلدين على بناء صيغة تعاون جديدة تحافظ على المصالح المشتركة، وتتعامل مع ملف الأمن، وتوازن علاقات العراق الإقليمية والدولية.
وبالنسبة إلى بغداد، ستبقى ملفات ضبط السلاح، وحماية البنية التحتية، ومواجهة تنظيم داعش، والحفاظ على التوازن في العلاقات الخارجية من أبرز العوامل التي ستؤثر في شكل الشراكة مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الانتقال من الوجود العسكري الواسع إلى علاقة ثنائية مباشرة يعني أن طبيعة النفوذ والتعاون ستعتمد بدرجة أكبر على الاتفاقات السياسية والأمنية، وعلى قدرة المؤسسات العراقية على إدارة الملفات التي كانت واشنطن تتعامل معها في السابق من خلال التحالف الدولي.

