الحدث العراقي
سياسية-فريق التحرير

جندي أميركي سابق يستعيد حرب العراق بعد 23 عاماً: ما الغاية من كل تلك التضحيات؟

٣٠ أيلول ٢٠٢٦
•1 دقائق قراءة
جندي أميركي سابق يستعيد حرب العراق بعد 23 عاماً: ما الغاية من كل تلك التضحيات؟
سياسية-فريق التحرير

مع إعلان انسحاب القوات الأميركية من العراق، عادت أسئلة الحرب التي بدأت عام 2003 إلى الواجهة، لكن هذه المرة من زاوية جندي أميركي سابق شارك في العمليات العسكرية، ونجا من مهمات في العراق وأفغانستان، ليجد نفسه بعد سنوات طويلة أمام سؤال لم يتمكن من الإجابة عنه: ما الغاية التي كان يمكن أن يحققها موته في العراق؟

في مقال نشره معهد كوينزي الأميركي، بعنوان «تصبحين على خير يا بغداد: القوات الأميركية تغادر العراق بعد 23 عاماً»، استعاد دان غريزر، الجندي السابق في مشاة البحرية الأميركية، تجربته خلال خدمته في العراق، متوقفاً عند الفجوة بين الأهداف التي رُفعت لتبرير الحرب والنتائج التي تحققت بعد أكثر من عقدين على بدايتها.

وتكتسب شهادة غريزر أهميتها من أنها تأتي في مرحلة يستعيد فيها قدامى المحاربين تجاربهم، بالتزامن مع انتهاء مرحلة طويلة من الوجود العسكري الأميركي في العراق، وما رافقها من خسائر بشرية وتكاليف مادية وأسئلة سياسية بشأن جدوى التدخل العسكري وحدود قدرته على إعادة تشكيل الدول.

من ساحات القتال إلى أسئلة ما بعد الحرب

يعود غريزر إلى عام 2007، عندما كان يؤدي مهمته في قاعدة التقدم الجوية بمحافظة الأنبار، في وقت كانت فيه الحرب العراقية تدخل عامها الرابع، وكانت القوات الأميركية تواجه تحديات أمنية متزايدة.

ويقول إن نجاته من تلك المهمة، ثم من انتشار عسكري لاحق في أفغانستان عام 2013، أتاحت له الانتقال إلى الحياة المدنية، وبدء مسار مهني جديد، ومشاهدة أطفاله وهم يكبرون.
لكن عودته إلى الحياة الطبيعية لم تُنهِ صلته بالحرب، إذ ظل الجنود الأميركيون يواصلون خدمتهم في العراق لسنوات طويلة بعد مغادرته ساحات القتال.

ويشير إلى أن لديه ابناً يخدم في الجيش الأميركي، لكنه لم ينتشر في العراق، وهو ما يجعله يتفهم مشاعر قدامى المحاربين الذين عادوا من الحرب ليجدوا أبناءهم أو بناتهم يرسلون لاحقاً إلى المنطقة نفسها.

ويرى غريزر أن انتقال الخبرة العسكرية بين الأجيال يطرح أسئلة خاصة داخل العائلات الأميركية التي ارتبطت بالخدمة العسكرية، حيث تتحول ذكريات الحرب إلى أحاديث متكررة بين الآباء والأبناء، في وقت تستمر فيه المهمات العسكرية حتى بعد تغير الظروف والأهداف المعلنة.

وعندما يستعيد غريزر تجربته في العراق، يتذكر أنه كان يعتقد عام 2007 أن القوات الأميركية تقاتل الجماعات الإرهابية وتساعد على بناء عراق حر.
لكنه يقول إنه، بعد مرور سنوات طويلة، لم يعد يمتلك إجابة واضحة عن الغاية التي خاضت الولايات المتحدة الحرب من أجلها.

خسائر بشرية ونتائج لا تحسم الجدل

يتوقف الجندي السابق عند الكلفة البشرية للحرب، مشيراً إلى أن نحو 5 آلاف أميركي قُتلوا خلال العمليات المرتبطة بالعراق منذ غزو عام 2003، فضلاً عن إصابات وخسائر طالت متعاقدين أميركيين وقوات حليفة وعراقيين.

ومن هذه الخسائر ينطلق السؤال الأكثر حضوراً في مقاله: ماذا كان سيعني موته لو قُتل خلال مهمته العسكرية؟ ويقر بأنه لا يملك إجابة مقنعة، معتبراً أن استمرار الوجود العسكري الأميركي سنوات طويلة، قبل الوصول إلى مرحلة الانسحاب، يجعل من الصعب عليه تحديد النتيجة التي كان يمكن أن تبرر تلك التضحية.

ويقارن غريزر تجربته بتجربة جده الذي قاتل في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أن جده استطاع ربط خدمته بنتيجة واضحة تمثلت في هزيمة النظام النازي، بينما امتدت مهماته هو إلى حروب استمرت أهدافها ونتائجها موضع نقاش حتى بعد مرور سنوات طويلة.

وفي قراءته للوضع العراقي، يرى غريزر أن إسقاط نظام صدام حسين تحقق خلال فترة قصيرة نسبياً، لكن بناء نظام ديمقراطي مستقر كان هدفاً أكثر تعقيداً، تطلب سنوات طويلة من العمليات العسكرية والسياسات المتغيرة.

ويضيف أن العراق، رغم غياب حكم صدام حسين، لا يزال يواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب استمرار الانقسامات الطائفية وتنامي النفوذ الإيراني، وفق تقييمه لمسار البلاد بعد الحرب.

ولا يقدم هذا التقييم وحده صورة كاملة عن التحولات التي شهدها العراق خلال العقدين الماضيين، لكنه يعكس تساؤلات أحد المشاركين في الحرب بشأن الفارق بين إسقاط نظام سياسي وتحقيق الاستقرار الذي رُبط به التدخل العسكري.

الدرس الذي يريد غريزر استخلاصه من العراق

يوسع غريزر دائرة النقاش لتشمل تجارب عسكرية أميركية أخرى، مستشهداً بالعراق وأفغانستان وليبيا، ومعتبراً أن هذه التجارب تبرز صعوبة الانتقال من بدء الحرب إلى إنهائها بطريقة تحقق الأهداف المعلنة.

ويتمحور أحد الدروس التي يدعو إلى استخلاصها حول حدود القوة العسكرية، إذ يرى أن التفوق العسكري قد يتيح إسقاط نظام أو تحقيق أهداف ميدانية محددة، لكنه لا يضمن وحده بناء مؤسسات مستقرة أو معالجة الانقسامات السياسية والاجتماعية التي قد تتفاقم بعد الحرب.

ومن هذا المنطلق، يدعو الجندي السابق إلى التعامل بحذر مع قرار استخدام القوة، معتبراً أن تجنب حروب جديدة قد يكون من أهم السبل لتقليل الخسائر التي تتحملها المجتمعات العسكرية والمدنية على حد سواء.

ويختتم غريزر مقاله بالتأكيد أن تحويل خسائر الحرب إلى درس مفيد يتطلب فهم أسبابها ونتائجها، ثم الاستفادة من التجربة عند اتخاذ القرارات المستقبلية، بدلاً من الاكتفاء باستعادة ذكريات الذين فقدوا حياتهم.

وبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر فقط بعودة الجنود الأميركيين من العراق، بل بالسؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة ستستفيد من تجربتها الطويلة قبل الدخول في صراع جديد.
فبعد سنوات من القتال، تبقى كلفة الحرب حاضرة في حياة الجنود وعائلاتهم، فيما يظل تقييم نتائجها مرتبطاً بما تحقق فعلياً على الأرض، وبمدى اقتراب تلك النتائج من الأهداف التي أُعلنت عند بدايتها.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

جندي أميركي سابق يستعيد حرب العراق بعد 23 عاماً: ما الغاية من كل تلك التضحيات؟