يتجدد في العراق النقاش بشأن خطابات الكراهية والتمييز على مواقع التواصل الاجتماعي، مع تصاعد المخاوف من تأثير المحتوى المحرض على السلم المجتمعي، خصوصاً عندما يستهدف جماعات دينية أو قومية بسبب هويتها.
ويأتي هذا النقاش في وقت لا يزال فيه تشريع خاص بتنظيم ومواجهة خطاب الكراهية والتمييز قيد المسار التشريعي، فيما يشهد مجلس النواب تحركاً لمناقشة الملف ووضع إطار قانوني للتعامل معه.
وكان المجلس قد وجّه في آب الماضي اللجنة القانونية واللجان المختصة بمتابعة طلب نيابي يتعلق بمواجهة خطاب الكراهية.
وتقول مديرة مركز خطابات الكراهية في مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، آمنة الذهبي، إن المؤسسة تتابع منذ سنوات تنامي هذا النوع من الخطاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرة أن مخاطره لا تقتصر على الإساءة اللفظية، بل قد تمتد إلى التحريض على العنف وتعميق الانقسام داخل المجتمع.
وبحسب الذهبي، فقد قدمت المؤسسة مسودة مشروع قانون للوقاية من التمييز وخطابات الكراهية إلى مجلس النواب ورئاسة الجمهورية، بهدف سد ما تعتبره فجوة تشريعية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة عدم المساس بحرية التعبير.
ويعكس هذا الطرح إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه أي تشريع جديد في هذا المجال، وهي كيفية التمييز بين الرأي أو النقد، وبين الخطاب الذي يتحول إلى تحريض على التمييز أو العنف ضد جماعة بسبب الدين أو القومية أو المذهب أو الهوية.
ويشير الدستور العراقي أصلاً إلى حظر الكيانات والمناهج التي تتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو التحريض عليها، كما ينص على مساواة العراقيين أمام القانون من دون تمييز بسبب القومية أو الدين أو المذهب أو المعتقد، ويكفل في الوقت نفسه حرية التعبير والصحافة والإعلام.
الأقليات في مواجهة الخطاب الرقمي
وتبرز الأقليات الدينية والقومية باعتبارها من الفئات التي تقول جهات ممثلة لها إنها تتأثر بصورة خاصة بخطابات الكراهية المنتشرة عبر المنصات الرقمية.
وقال المتحدث باسم رئاسة طائفة الصابئة المندائيين في العراق، رام أسعد العثماني، إن الحاجة إلى تشريع واضح أصبحت ملحة، مشيراً إلى أن أفراد الطائفة يتعرضون، بحسب قوله، لخطابات تكفير وتشويه تستهدف معتقداتهم وهويتهم الدينية.
ويرى العثماني أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مساحة رئيسية لانتشار هذه الخطابات، خصوصاً مع سرعة انتشار المنشورات ومقاطع الفيديو، لافتاً إلى أن بعض المعلومات المتداولة عن الصابئة المندائيين تتضمن، وفق وصفه، معلومات مغلوطة أو مشوهة عن معتقداتهم وممارساتهم.
ويقول إن آثار هذه الخطابات قد تتجاوز العالم الافتراضي عندما تتحول المنشورات التحريضية إلى تهديدات أو اعتداءات أو إقصاء اجتماعي، مطالباً بوجود آلية قانونية أكثر وضوحاً للتعامل مع الحالات التي تستهدف الأقليات.
أما الناشط المدني الإيزيدي سلام هسكاني، فيرى أن التشريع المطلوب ينبغي أن يحدد بصورة دقيقة معنى خطاب الكراهية والمسؤولية القانونية عن التحريض على العنف أو التمييز، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير والصحافة.
ويحذر هسكاني من أن أي قانون في هذا المجال يجب ألا يتحول إلى وسيلة لمعاقبة الآراء أو الانتقادات، مؤكداً أن القواعد القانونية، في حال إقرارها، ينبغي أن تطبق على الجميع من دون استثناء.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في المجتمع العراقي، الذي يضم مكونات دينية وقومية ومذهبية متعددة، إذ يمكن للمحتوى المنشور عبر منصة اجتماعية أن ينتشر على نطاق واسع خلال فترة قصيرة، ما يجعل التعامل مع خطاب التحريض أكثر تعقيداً من الحالات التقليدية للإساءة أو التشهير.
بين التشريع وحرية التعبير
ولا يبدو أن الجدل يتركز فقط على ضرورة وجود قانون، بل يمتد إلى طبيعة التعريفات والعقوبات والضمانات التي ينبغي أن يتضمنها أي تشريع.
فالمشكلة الأساسية تكمن في رسم الحد الفاصل بين حرية التعبير التي يكفلها الدستور، وبين الخطاب الذي يتضمن تحريضاً على العنف أو التمييز أو استهداف جماعة بأكملها بسبب هويتها.
ولهذا تدعو الأصوات المطالبة بالتشريع إلى وضع تعريفات قانونية واضحة، بحيث لا تصبح العبارات العامة قابلة لتفسيرات واسعة يمكن أن تؤثر في حرية الصحافة أو النقاش العام.
وفي المقابل، ترى الجهات التي تطالب بحماية أكبر للأقليات أن غياب نصوص أكثر تحديداً قد يجعل بعض الضحايا أمام خيارات قانونية محدودة عند تعرضهم لحملات منظمة تستهدف هويتهم الدينية أو القومية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار مجلس النواب في متابعة عدد من الملفات المرتبطة بتنظيم الفضاء الرقمي والتشريعات ذات الصلة، إذ أُنجزت في تموز الماضي القراءة الأولى لمقترح قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، في إطار مسار تشريعي منفصل يتناول الجرائم المرتبطة باستخدام التكنولوجيا.
وبين الحاجة إلى حماية المجتمع من التحريض والكراهية، والحفاظ على مساحة النقد وحرية التعبير، يبدو أن التحدي أمام المشرّع العراقي لا يتعلق فقط بإقرار قانون جديد، وإنما بصياغة قواعد دقيقة يمكن تطبيقها على الجميع، سواء كان الخطاب صادراً عن فرد أو جهة سياسية أو مؤسسة أو حساب على إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
وفي بلد مرّ خلال السنوات الماضية بصراعات طائفية وقومية وأمنية عميقة، يبقى ملف خطاب الكراهية مرتبطاً بصورة مباشرة بقدرة المؤسسات على حماية التنوع، ومواجهة التحريض، ومنع انتقال الخلاف من مساحة الرأي إلى استهداف جماعات بأكملها.
كما أن المواجهة لا تبدو قانونية فقط؛ إذ تتطلب، إلى جانب التشريع، دوراً للإعلام والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني والمنصات الرقمية في الحد من انتشار المعلومات المضللة والصور النمطية، وتعزيز خطاب يحافظ على التنوع العراقي دون أن يتحول ذلك إلى تقييد غير مبرر لحرية التعبير.

