الحدث العراقي
اقتصاد-فريق التحرير

راتب العراقي تحت الضغط.. لماذا تختفي الأموال قبل نهاية الشهر؟

١ أيلول ٢٠٢٦
•1 دقائق قراءة
راتب العراقي تحت الضغط.. لماذا تختفي الأموال قبل نهاية الشهر؟
اقتصاد-فريق التحرير

ينتظر الموظف والمتقاعد العراقي موعد الراتب شهراً بعد آخر، لكن وصول الدخل إلى الحساب أو اليد لا يعني أن الأسرة أصبحت قادرة على الإنفاق بحرية؛ فسرعان ما تتوزع الأموال بين الإيجار والكهرباء والغذاء والنقل والتعليم والصحة والأقساط، لتجد عائلات كثيرة نفسها أمام سؤال مختلف تماماً: كيف يمكن إكمال ما تبقى من الشهر؟

هذه الصورة اليومية لا تعكس فقط ارتفاع كلفة المعيشة، بل تكشف مشكلة اقتصادية أوسع تتعلق بتراجع قدرة الأسر على الادخار والاستثمار، في وقت تستنزف فيه النفقات الأساسية الجزء الأكبر من دخولها.

فما إن ينزل الراتب حتى تبدأ قائمة الالتزامات: إيجار السكن، اشتراك المولدة الأهلية والإنترنت، سلة الغذاء، احتياجات الأسرة، أجور التنقل أو وقود السيارة، الأقساط المصرفية والسلف، إلى جانب مصاريف المدارس والدروس الخصوصية والاحتياجات المنزلية وتكاليف العلاج، فضلاً عن نفقات طارئة يصعب توقعها.

ويروي المواطن أبو أحمد لوكالة شفق نيوز أن راتبه "يخلص بمجرد استلامه"، موضحاً أن دخله يتوزع مباشرة بين الإيجار والفواتير والغذاء والنقل، بينما لا يتبقى منه ما يسمح ببناء مدخرات يمكن الاعتماد عليها.

ويقول إن أي مصروف طارئ قادر على إرباك ميزانية الأسرة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات الشهرية.

ويشير المواطن حسن هادي إلى أن تأخر صرف الرواتب يضيف ضغطاً آخر على الأسر، لأن الالتزامات لا تتوقف حتى في حال تأخر الدخل.
ويضيف أن مصاريف المدارس والملابس والمولدات الأهلية، إلى جانب الغذاء والنقل، تستنزف نسبة كبيرة من الراتب، ما يدفع العائلات إلى إعادة ترتيب أولوياتها باستمرار.

لكن السؤال لا يتوقف عند حدود دخل الأسرة، بل يمتد إلى الاقتصاد العراقي ككل: كم يستطيع العراقيون ادخاره فعلياً، وكم من الأموال يبقى داخل الدورة المصرفية بدلاً من بقائه نقداً خارجها؟

المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، يوضح لوكالة شفق نيوز أن الادخار الوطني الإجمالي في العراق يتراوح في المتوسط بين 12% و15% من الناتج المحلي الإجمالي، مع اختلاف النسبة من عام إلى آخر وفقاً لأسعار النفط ومستويات الدخل والاستهلاك والاستثمار.

ويلفت صالح إلى أن جزءاً من المدخرات والسيولة يبقى خارج الجهاز المصرفي، لكنه يشدد على أن الأموال الموجودة خارج المصارف لا يمكن اعتبارها كلها مدخرات نقدية، لأنها تشمل أيضاً الأموال المستخدمة في المعاملات اليومية والنشاط الاقتصادي.

ويرى أن زيادة الأموال التي تمر عبر الجهاز المصرفي يمكن أن تمنح المصارف قدرة أكبر على تعبئة الموارد المحلية وتوجيهها نحو الإقراض والاستثمار، بالتوازي مع تطوير الخدمات المصرفية وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية والتوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.

وفي المقابل، يلفت الخبير الاقتصادي هلال الطعان إلى أن ضعف الادخار يمثل مؤشراً اقتصادياً مهماً، مشيراً إلى أن نسبة الأفراد الذين يدخرون أموالهم في العراق بلغت نحو 9.7% خلال عام 2024، وهي نسبة منخفضة مقارنة بالمتوسط العالمي.

ويعزو الطعان ذلك إلى مجموعة عوامل، في مقدمتها انخفاض مستويات الدخول وارتفاع الاستهلاك والإنفاق على الغذاء والسكن، فضلاً عن ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الثقة بالقطاع المصرفي.

وبحسب رؤيته، فإن المشكلة لا ترتبط بحجم الراتب وحده، إذ إن ارتفاع الأسعار يستهلك جزءاً متزايداً من دخل الأسرة، بينما يؤدي الاعتماد الكبير على الوظيفة الحكومية وضعف تنوع مصادر الدخل إلى تقليص القدرة على تكوين مدخرات.

وتظهر بيانات البنك المركزي العراقي جانباً آخر من الصورة، يتعلق بحجم النقد المتداول خارج المصارف.

فبحسب البيانات، بلغ إجمالي العملة المصدرة 111.189 تريليون دينار في نهاية حزيران/يونيو 2026، فيما وصل صافي العملة خارج المصارف إلى 101.966 تريليون دينار، مقابل 9.223 تريليون دينار داخل المصارف.

وتعني هذه الأرقام أن نحو 91.7% من إجمالي العملة المصدرة كانت خارج الجهاز المصرفي في ذلك الوقت.
لكن هذا الرقم لا يعني أن كل هذه الأموال عبارة عن مدخرات لدى المواطنين، إذ تدخل ضمنه السيولة المستخدمة في عمليات الشراء والتجارة وتسوية المعاملات اليومية.

مع ذلك، تكشف الأرقام عن اعتماد واسع على النقد في الاقتصاد العراقي، في وقت تحاول فيه السلطات والمؤسسات المالية توسيع استخدام الخدمات المصرفية والدفع الإلكتروني.

ولا تتوقف الصورة عند النقد المتداول، إذ تشير بيانات القطاع المصرفي إلى انخفاض إجمالي الودائع في المصارف العاملة من 133.50 تريليون دينار عام 2023 إلى 122.88 تريليون دينار في 2024، بتراجع بلغ نحو 10.6 تريليون دينار.

وفي المقابل، ارتفع الائتمان المصرفي خلال الفترة نفسها من 95.66 تريليون دينار إلى 102.24 تريليون دينار، ما يسلط الضوء على الحاجة إلى زيادة قدرة المصارف على جذب الودائع وتوفير مصادر تمويل أكبر للأنشطة الاقتصادية.

ويرتبط ضعف الادخار أيضاً بالقوة الشرائية للدخل.
فالأكاديمي في جامعة ذي قار، نجم عبد طارش، يرى أن جزءاً كبيراً من الرواتب يذهب إلى الاحتياجات الأساسية، مثل السكن والتعليم والصحة، بالتزامن مع تأثير التضخم في القيمة الحقيقية للدينار.

ويوضح أن قيمة الدينار النقدية قد تبقى كما هي، لكن قدرته على شراء السلع والخدمات تتراجع عندما ترتفع الأسعار، الأمر الذي يجعل الحفاظ على المدخرات أكثر صعوبة ويزيد الضغط على ميزانية الأسرة.

أما الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، فيربط ضعف الادخار بتراجع التعامل مع المصارف وانخفاض مستوى الشمول المالي، الأمر الذي يحد من قدرة القطاع المصرفي على توفير التمويل للنشاط الاقتصادي والتنمية.

ويؤكد أهمية توسيع استخدام الدفع الإلكتروني، لا سيما في المشتريات الصغيرة، وزيادة انتشار نقاط البيع وأجهزة السحب والإيداع لتشمل مختلف الأنشطة التجارية ووسائل النقل.

وفي المحصلة، تبدو معركة العراقي مع الراتب أكبر من مجرد مواجهة بين الدخل والمصروف.
فعندما يذهب معظم الراتب إلى الاحتياجات الأساسية، تصبح القدرة على الادخار محدودة، وعندما تبقى نسبة كبيرة من السيولة خارج الجهاز المصرفي، تقل الموارد التي يمكن تحويلها إلى ودائع وتمويل واستثمارات.

وبينما تجاوزت العملة خارج المصارف حاجز 100 تريليون دينار، فإن الرهان لا يتعلق فقط بزيادة دخول الأسر، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد على خفض كلفة المعيشة، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وتنويع مصادر الدخل، وتحويل جزء أكبر من الأموال المتداولة نقداً إلى مدخرات وتمويل منتج.

وهنا يصبح السؤال الذي يرافق العراقي في نهاية كل شهر أكثر من مجرد سؤال عائلي عن المبلغ المتبقي؛ فهو يعكس في جانب منه قدرة الاقتصاد على منح المواطن مساحة مالية تتجاوز تلبية الاحتياجات اليومية نحو الادخار والاستثمار وبناء أمان مالي للمستقبل.

 

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

راتب العراقي تحت الضغط.. لماذا تختفي الأموال قبل نهاية الشهر؟