تتجه الأنظار في العراق إلى نقاش دستوري وسياسي محتمل بشأن شكل نظام الحكم، بعد حديث ثلاثة مصادر مطلعة عن عمل رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان على تصور لتغيير النظام البرلماني المعمول به حالياً نحو نظام شبه رئاسي.
وقالت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هويتها بسبب حساسية الموضوع، إن العمل يجري على بلورة تصور بهذا الشأن، من دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كان المقترح تحول إلى مسودة مكتوبة أو جرى عرضه على الرئاسات والقوى السياسية.
كما لم تتضح تفاصيل الصيغة التي يمكن أن يتضمنها أي تغيير محتمل، خصوصاً ما يتعلق بتوزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وهي النقطة التي ستكون في صلب أي نقاش حول الانتقال من النظام البرلماني إلى نظام شبه رئاسي.
ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من المعلومات المتعلقة بوجود خطة فعلية، كما لم يصدر، وفق المعطيات الواردة، تعليق من القاضي فائق زيدان أو مكتبه الإعلامي بشأن ما نقلته المصادر.
غير أن الحديث عن تغيير شكل النظام السياسي يعيد إلى الواجهة مواقف دستورية سابقة لزيدان، إذ سبق له نشر مقالات تناولت إشكاليات تشكيل السلطات والتوقيتات الدستورية وتفسير مفهوم «الكتلة النيابية الأكثر عدداً».
وفي حوار منشور عام 2022، عبّر زيدان عن اعتقاده بأن النظام البرلماني بصيغته المطبقة في العراق لا يتناسب مع طبيعة النظام السياسي القائم، وربط ذلك بما وصفه بتكريس المحاصصة، كما أبدى في حينه ميلاً إلى النظام الرئاسي، وليس النظام شبه الرئاسي.
ولا تعني هذه المواقف السابقة بالضرورة وجود خطة حالية لتغيير نظام الحكم، لكنها تقدم سياقاً لموقف زيدان من طبيعة النظام الدستوري وآليات تشكيل السلطة في العراق.
وفي مارس/آذار 2026، عاد زيدان إلى ملف تشكيل الحكومة من خلال مقال حمل عنوان «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور»، انتقد فيه طريقة تفسير مفهوم الكتلة النيابية الأكبر، معتبراً أن التحالفات التي تتشكل بعد الانتخابات أسهمت في إطالة مفاوضات تشكيل الحكومات.
ودعا في مقاله إلى تعديل المادة 76 من الدستور بما يحسم مسألة التكليف لمصلحة القائمة الفائزة انتخابياً، وهو طرح يرتبط بصورة مباشرة بآلية تشكيل السلطة التنفيذية، لكنه لا يشكل بحد ذاته إعلاناً عن تغيير نظام الحكم.
ويأتي النقاش المحتمل في وقت يواجه فيه النظام السياسي العراقي انتقادات مرتبطة بطبيعة تشكيل الحكومات، التي تعتمد عملياً على تفاهمات واسعة بين القوى السياسية، وما يرافق ذلك من مفاوضات طويلة بشأن الرئاسات والوزارات وتوزيع مواقع السلطة.
ويرى مؤيدو الانتقال إلى نظام شبه رئاسي أن هذه الصيغة قد تمنح السلطة التنفيذية قدرة أكبر على اتخاذ القرار وتحديد المسؤولية السياسية، مع الإبقاء على دور البرلمان في التشريع والرقابة.
في المقابل، يحذر معارضون لمثل هذا التغيير من إمكانية نشوء صراع على الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، خصوصاً إذا لم يكن توزيع السلطات واضحاً بصورة دقيقة في النص الدستوري.
وتبرز أمام أي محاولة لتغيير شكل النظام السياسي عقبة دستورية أساسية، إذ ينص الدستور العراقي في مادته الأولى على أن العراق «جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي»، ما يعني أن الانتقال إلى صيغة أخرى يتطلب تعديلاً دستورياً لا مجرد قرار سياسي أو حكومي.
كما تضع المادة 126 إجراءات محددة لتعديل الدستور، تشمل موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب في الحالات المنصوص عليها، إلى جانب عرض التعديلات على الشعب في استفتاء عام ومصادقة رئيس الجمهورية، وفق الضوابط الدستورية ذات الصلة.
وبالتالي، فإن رئيس مجلس القضاء الأعلى لا يمتلك منفرداً صلاحية تغيير نظام الحكم أو تعديل الدستور، فيما يمكن لأي تصور قانوني أو دستوري أن يتحول إلى مسار رسمي فقط إذا تبنته الجهات المخولة دستورياً وسلك الإجراءات المحددة في الوثيقة الدستورية.
وفي حال تأكد وجود مقترح فعلي لتغيير شكل النظام، فإن طرحه سيعيد فتح واحد من أوسع النقاشات السياسية في العراق منذ إقرار دستور 2005، ليس فقط حول صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وإنما أيضاً حول طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وآليات تشكيل الحكومات.
ويبقى مستقبل هذا الطرح مرتبطاً بمدى تحوله من مجرد تصور أو نقاش إلى وثيقة رسمية تحظى بتأييد سياسي ودستوري، وهو ما لم تتضح معالمه حتى الآن.

