تدخل أزمة العشرات من عناصر تنظيم "داعش" المنقولين من شمال شرق سوريا إلى الأراضي العراقية مرحلة حاسمة، وسط تحركات دبلوماسية وقضائية مكثفة تهدف إلى وضع حدّ لأحد أكثر الملفات الأمنية تعقيدًا في منطقة الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه بغداد إنهاء التحقيقات الأولية مع أكثر من 5700 معتقل جرى نقلهم قبل سبعة أشهر، يسلط التحول الجديد الضوء على حجم التحديات التي تواجه العراق والتحالف الدولي لضمان تنظيم محاكمات عادلة، وتفادي مخاطر العودة إلى نقطة الصفر.
وكان نقل هؤلاء المعتقلين من مراكز احتجاز سابقة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية إلى الداخل العراقي قد تم بترتيبات أمنية أشرفت عليها الولايات المتحدة، تفاديًا لسيناريوهات انهيار البنية التحتية للسجون في تلك المناطق، والخشية من تسرب عناصر خطرة قد تعيد إحياء شبكات التنظيم الإرهابي.
وتضم قائمة المحتجزين آلاف السوريين والعراقيين، إلى جانب مئات الرعايا العرب والأجانب ينتمون إلى نحو 61 دولة، ما يجعل من هذا الملف قنبلة موقوتة تتجاوز حدود الجغرافيا العراقية.
ويرى خبراء ومراكز أبحاث دولية، في مقدمتها معهد "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، أن العملية تتيح فرصة استراتيجية لإرساء مسار قانوني مستدام، شريطة أن تواصل واشنطن ممارسة ضغوط متوازنة على شركائها الدوليين لتسهيل استعادة مواطنيهم.
ورغم إعلان العراق إخضاع كافة المعتقلين لولاية قضائه الوطني، فإن التباين في مواقف الدول الأجنبية حيال استلام رعاياها يضع عبئًا إضافيًا على المنظومة القضائية والسجون العراقية، لا سيما مع وجود عقبات ترتبط بعقوبة الإعدام وآليات التنسيق الثنائي.
على الجانب الآخر، تبرز مسألة التعاون بين بغداد ودمشق كإحدى زوايا الملف الأكثر حساسيه، خاصة في ظل وجود آلاف المعتقلين حاملي الجنسية السورية.
وعلى الرغم من المخاوف المتكررة بشأن جاهزية السلطات السورية للتعاطي مع هذا الملف، فإن التفاهمات الأخيرة شملت خطوات لإعادة أفراد لم تثبت بحقهم أدلة قاطعة، وهو ما يُنظر إليه كاختبار أول لبناء الثقة بين الطرفين تحت إشراف التحالف.
ومع وصول التحالف الدولي لمكافحة "داعش" إلى مرحلة إعادة إنتاج دوره العسكري والتركيز على ذراعه السياسية والتنموية، تبقى التكاليف المالية والتمويل متعدد السنوات شرطًا أساسيًا لضمان إبقاء السجناء في بيئات احتجاز آمنة وإنسانية.
وتتجه الأنظار نحو قدرة الإدارة الأمريكية والدول الأعضاء على تقديم دعم طويل الأجل لبغداد، يضمن استكمال المحاكمات ودفع الدول الأخرى لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه رعاياها.

