تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل ملف سلاح الفصائل المسلحة في العراق، مع اقتراب استكمال الانسحاب العسكري الأميركي، وسط تقديرات بأن الموعد المحدد لنزع السلاح بحلول 30 يونيو/حزيران 2027 قد لا يتحقق، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية تتعلق بعلاقة الفصائل بمؤسسات الدولة ونفوذ القوى الإقليمية.
وفي تقرير تناول تداعيات الانسحاب الأميركي، رجّح معهد «صوفان» الأميركي عدم الالتزام بالموعد المحدد لتسليم سلاح الفصائل، معتبراً أن خروج القوات الأميركية سيعيد رسم طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، بحيث يتراجع الدور العسكري المباشر لصالح التركيز على التحديات الأمنية والتوازنات الإقليمية.
كما حذّر التقرير من أن إقليم كردستان قد يواجه ضغوطاً أمنية وسياسية أكبر في المرحلة المقبلة.
وبحسب التقرير، فإن استكمال الانسحاب الأميركي يمنح الحكومة العراقية فرصة لتعزيز سيادتها وتوسيع قدرتها على اتخاذ القرارات الأمنية بعيداً عن الوجود العسكري الأجنبي، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة بشأن طبيعة الدور الأميركي الذي سيستمر بعد الانسحاب، وحجم القوات التي ستبقى لمساندة بغداد في مواجهة تنظيم «داعش» والتهديدات الأخرى.
ولم تُعلن واشنطن، وفق التقرير، تفاصيل نهائية بشأن عدد القوات التي ستبقى في العراق أو قواعد الاشتباك التي ستعمل بموجبها.
ويجعل غياب هذه التفاصيل من الصعب تحديد حجم الدعم الأمني الذي ستواصل الولايات المتحدة تقديمه للقوات العراقية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بمكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي.
مستقبل الفصائل بين الاندماج ونزع السلاح
ويبرز ملف الفصائل المسلحة بوصفه أحد أكثر التحديات حساسية أمام الحكومة العراقية.
فبغداد تسعى إلى حصر قرار السلم والحرب بيد مؤسسات الدولة، في وقت لا تزال فيه جماعات مسلحة تحتفظ بقدرات تنظيمية وعسكرية، ويتمتع بعضها بامتدادات سياسية واجتماعية.
وأشار تقرير معهد «صوفان» إلى أن الحكومة العراقية تتجه نحو التركيز على دمج المقاتلين بصورة تدريجية في القوات الأمنية الرسمية، بدلاً من الاكتفاء بمطلب نزع السلاح الكامل.
ويضع هذا التوجه المؤسسات العسكرية والأمنية أمام مهمة تتعلق بآليات الدمج، وضمان خضوع العناصر المنضمة لسلسلة قيادة رسمية، وتحديد العلاقة بين التشكيلات المسلحة القائمة ومؤسسات الدولة.
وكان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد أكد، خلال لقاءاته في نيويورك، ضرورة أن تكون الدولة صاحبة القرار النهائي في قضايا الحرب والسلم، فيما حُدد 30 يونيو/حزيران 2027 موعداً مستهدفاً لاستكمال ملف تسريح الفصائل أو معالجة وضعها العسكري.
لكن التقرير شكك في إمكانية إنجاز الملف ضمن المهلة المحددة، مشيراً إلى أن العملية لا تتعلق بالجانب العسكري وحده، بل تشمل أيضاً مستقبل الأجنحة السياسية للفصائل، خصوصاً أن بعض قياداتها تشغل مقاعد في مجلس النواب.
ولم يتضح بعد كيف ستتعامل الحكومة مع هذا الجانب، أو ما إذا كانت التفاهمات السياسية ستسمح بإتمام عملية الدمج وفق الجدول الزمني المعلن.
وتزداد صعوبة الملف بسبب ارتباط بعض الفصائل بعلاقات مع إيران، فضلاً عن حضورها في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي.
ويرى التقرير أن أي محاولة لإعادة تنظيم وضعها العسكري قد تواجه اعتراضات وتوترات داخلية، وهو ما يجعل تنفيذ الخطة مرتبطاً بقدرة الحكومة على بناء تفاهمات سياسية وأمنية واسعة.
كردستان أمام تحديات أمنية متغيرة
وفي موازاة ملف الفصائل، حذّر معهد «صوفان» من أن إقليم كردستان قد يصبح أكثر عرضة للضغوط والهجمات بعد تراجع الوجود العسكري للتحالف الدولي.
وأشار إلى أن الدعم الأميركي لعب دوراً في تعزيز أمن الإقليم، ولا سيما في مواجهة هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية.
وبحسب التقرير، اعتمدت أربيل على قدرات الدفاع الجوي التابعة للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في اعتراض الهجمات، ما يثير تساؤلات بشأن البدائل المتاحة بعد الانسحاب.
ويرى المعهد أن الإقليم قد يجد نفسه أمام حاجة أكبر إلى التنسيق الأمني مع الحكومة الاتحادية، في وقت لا تزال فيه الخلافات السياسية بين بغداد وأربيل قائمة بشأن عدد من الملفات.
وفي المقابل، تناول التقرير تطورات التعاون العراقي التركي، بما في ذلك الاتفاق على نقل السيطرة على قاعدة بعشيقة تدريجياً إلى بغداد، إلى جانب ملفات أمنية تتصل بمنطقة سنجار ووجود حزب العمال الكردستاني.
وتأتي هذه التحركات ضمن مساعٍ لإعادة تنظيم الترتيبات الأمنية وتعزيز دور الحكومة الاتحادية في المناطق ذات الحساسية الأمنية.
كما أشار التقرير إلى أن توحيد قوات البيشمركة تحت قيادة مؤسسية واحدة يمثل خطوة مهمة في مسار إصلاح القطاع الأمني داخل الإقليم، لكنه لا يحسم وحده مسألة تعويض القدرات التي وفرها الوجود العسكري الأميركي أو مواجهة التحديات الإقليمية المحتملة.
وفي المحصلة، يضع الانسحاب الأميركي العراق أمام مرحلة تتداخل فيها مسألة السيادة مع مستقبل الفصائل المسلحة وشكل التعاون الأمني مع واشنطن ودول الجوار.
وبينما تسعى الحكومة إلى تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، ستبقى قدرتها على تنفيذ خطتها مرتبطة بالتفاهمات السياسية، وطبيعة الترتيبات الأمنية بعد الانسحاب، ومدى التزام الأطراف المعنية بجدول زمني واضح لمعالجة ملف السلاح.

