الحدث العراقي
اقتصاد-فريق التحرير

موازنة العراق 2027 تضع التعيينات الحكومية أمام اختبار صعب

١٢ أيلول ٢٠٢٦
•1 دقائق قراءة
موازنة العراق 2027 تضع التعيينات الحكومية أمام اختبار صعب
اقتصاد-فريق التحرير

مع اقتراب إقرار موازنة العراق لعام 2027، يعود ملف التعيينات الحكومية إلى الواجهة مجدداً، وسط ضغوط متزايدة من الخريجين الباحثين عن فرص عمل، مقابل مساعي الحكومة للحد من نمو الإنفاق الجاري والحفاظ على الاستقرار المالي.

وتبدو المعادلة أكثر تعقيداً مع الارتفاع المستمر في أعداد خريجي الجامعات، في وقت أصبحت فيه الوظيفة الحكومية الخيار الأكثر جذباً لشريحة واسعة من الباحثين عن العمل، بينما لا يزال القطاع الخاص غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة بالشكل الكافي.

ويضيف العراق نحو ربع مليون خريج من مؤسسات التعليم العالي سنوياً، فيما بلغ عدد خريجي العام الدراسي 2023/2024 نحو 271 ألف خريج، ما يضع سوق العمل أمام تحدٍ متواصل لا يمكن حله من خلال التوسع في التوظيف الحكومي وحده.

وتظهر أرقام تنفيذ الموازنة حجم الضغط الذي تواجهه المالية العامة، إذ بلغ إجمالي الإنفاق الاتحادي خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 54.673 تريليون دينار، بينما وصلت تعويضات الموظفين والرواتب إلى نحو 30.769 تريليون دينار، أي أكثر من نصف الإنفاق الفعلي خلال تلك الفترة.

ومع إضافة نفقات الرعاية الاجتماعية، التي بلغت نحو 13.858 تريليون دينار، ترتفع حصة الرواتب وتعويضات الموظفين والرعاية الاجتماعية مجتمعة إلى نحو 81.6% من إجمالي الإنفاق الاتحادي خلال النصف الأول من العام، وهو ما يترك مساحة محدودة أمام الإنفاق الاستثماري والمشاريع التنموية.

ويحذر المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، من أن المشكلة لا تكمن في الإنفاق على الموظفين والرعاية الاجتماعية بحد ذاته، وإنما في اتساع الإنفاق الجاري على حساب قدرة الدولة على توجيه موارد أكبر نحو الاستثمار والتنمية.

ويرى صالح أن التعيين الحكومي لا يمكن أن يكون حلاً دائماً لمشكلة الخريجين، لأن كل درجة وظيفية جديدة لا تمثل راتباً لسنة واحدة فقط، بل تتحول إلى التزام مالي طويل الأمد يشمل الرواتب والمخصصات والحقوق الوظيفية والتقاعد مستقبلاً.

ومن هذا المنطلق، تبدو معركة التعيينات في العراق مرتبطة بأكثر من مئات أو آلاف الدرجات الوظيفية التي قد تدرج في الموازنة، إذ تتعلق بقدرة الاقتصاد نفسه على توفير وظائف منتجة ومستدامة بعيداً عن اعتماد المواطنين المتزايد على الدولة باعتبارها رب العمل الأكبر.

وفي الجانب المالي، يحذر الخبير الاقتصادي محمود داغر من أن استمرار التعيينات الحكومية سيزيد الضغط على فاتورة الرواتب والنفقات العامة، خصوصاً في ظل استمرار اعتماد الموازنة العراقية بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.

ويشير داغر إلى أن ضبط نمو الرواتب والنفقات يمثل جزءاً أساسياً من معالجة الوضع المالي، إلى جانب تقليل الحاجة إلى الاقتراض والسيطرة على حجم الدين، مؤكداً أن ارتفاع الإيرادات النفطية وحده لا يضمن استدامة المالية العامة إذا استمر الإنفاق الجاري بالارتفاع.

لكن نقل جزء من الضغط إلى القطاع الخاص يحتاج بدوره إلى تغييرات واسعة في سوق العمل.
فالخبير الاقتصادي محمد الحسني يرى أن القطاع الخاص لن يكون بديلاً حقيقياً للوظيفة الحكومية ما لم تتحسن الأجور والضمانات الاجتماعية والاستقرار الوظيفي، بما يمنح الخريج شعوراً بوجود مستقبل مهني واضح.

وتشمل المقترحات المطروحة لدعم هذا التحول مساعدة الخريجين الجدد في بداية دخولهم إلى سوق العمل، ومنح الشركات التي توفر فرصاً وظيفية حوافز ضريبية وتأمينية، إلى جانب ربط مخرجات الجامعات باحتياجات السوق والتوسع في التعليم التقني والمهني ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وتتجه الأنظار في هذا السياق إلى موازنة 2027، التي أعلنت وزارة المالية استكمال إعداد مشروعها، مع توجه نحو الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء وربط الإنفاق بالنتائج، بدلاً من الاستمرار في التوسع التقليدي في النفقات الجارية.

ومن المتوقع أن تكون التعيينات الحكومية إحدى أبرز النقاط التي ستختبر قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين المطالب الاجتماعية والقيود المالية.
فإدراج درجات جديدة قد يوفر حلاً لجزء من أزمة الخريجين، لكنه في الوقت نفسه يضيف التزامات تمتد لسنوات، ما يجعل القرار مرتبطاً بالحاجة الفعلية للدوائر الحكومية والقدرة على تمويل تلك الالتزامات مستقبلاً.

ولا يقتصر الضغط على الخريجين الجدد، إذ ينتظر نحو 11 ألف متعاقد ظهرت أسماؤهم منذ عام 2025 استكمال إجراءات توزيعهم ومباشرتهم في الدوائر الحكومية، ما يضيف ملفاً آخر إلى قائمة المطالب المرتبطة بالوظائف الحكومية.

وبين مطالب الشارع بفرص عمل مستقرة، وحاجة المالية العامة إلى السيطرة على الإنفاق، تبدو موازنة 2027 أمام اختبار يتجاوز مسألة عدد التعيينات.
فالنتيجة الأهم ستكون في قدرة الحكومة على خلق مسار جديد لسوق العمل، يخفف الاعتماد على الوظيفة الحكومية ويفتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار والمشاريع الصغيرة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل.

مشاركة المقال:

التعليقات0

أضف تعليقاً

* لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

موازنة العراق 2027 تضع التعيينات الحكومية أمام اختبار صعب