كشفت شبكة «سي إن إن» عن نقاشات داخل المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات الأميركية بشأن مستقبل الوجود العسكري في الشرق الأوسط، تتضمن خيارات لتقليص عدد القوات والمنشآت الأميركية في المنطقة، في حال نجحت إدارة الرئيس دونالد ترمب في إنهاء الصراع مع إيران.
ونقلت الشبكة عن ستة مصادر مطلعة أن هذه المناقشات لم تتحول حتى الآن إلى قرار رسمي أو توجيه بإجراء مراجعة شاملة للانتشار العسكري الأميركي، لكنها تعكس استعداد مسؤولين لبحث سيناريوهات مختلفة، بينها تقليص القوات الموجودة في عدد من دول الخليج، ونقل بعض الأصول إلى مواقع أكثر تحصيناً، أو تنفيذ بعض المهام من داخل الولايات المتحدة بدلاً من الاعتماد على منشآت دائمة في المنطقة.
ويضم الانتشار الأميركي الحالي في الشرق الأوسط نحو 50 ألف جندي، إلى جانب أصول عسكرية كبيرة، بينها حاملتا طائرات وأكثر من 12 مدمرة مزودة بصواريخ موجهة، وفق المعطيات التي أوردها التقرير.
وتأتي هذه المناقشات بعدما أظهرت الحرب مع إيران نقاط ضعف في بعض المنشآت والقواعد الأميركية، التي تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في البحرين وقطر والسعودية والكويت.
وبحسب «سي إن إن»، يدرس الجيش الأميركي خيارات لتعزيز حماية بعض المنشآت، من بينها نقلها إلى مواقع تحت الأرض، فيما قد تختار واشنطن عدم إعادة بناء منشآت تعرضت لأضرار كبيرة إذا خلصت إلى أن تكلفة إصلاحها لا تتناسب مع الحاجة الاستراتيجية إليها.
وكان المراقب المالي لوزارة الدفاع الأميركية جولز «جاي» هيرست الثالث قد أشار في أبريل/نيسان الماضي إلى عدم وضوح التكلفة النهائية لإصلاح المنشآت المتضررة، موضحاً أن الأمر يرتبط بقرار الولايات المتحدة بشأن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه وجودها العسكري في الشرق الأوسط.
وفي السياق ذاته، نقل التقرير عن ثلاثة مصادر أن مسؤولين كباراً في وزارة الحرب ناقشوا تقليص الوجود العسكري في عدد من دول الخليج، مع توجه لتحمل الشركاء الإقليميين دوراً أكبر في مسؤولية الدفاع عن المنطقة.
كما بحث مسؤولون في وكالة الاستخبارات المركزية وقيادة العمليات الخاصة إمكانية تنفيذ بعض المهام الحساسة من دون الحاجة إلى قواعد دائمة، من خلال إبقاء الأفراد والمعدات داخل الولايات المتحدة ونقلها إلى المنطقة عند الحاجة لتنفيذ مهام محددة.
لكن هذه الخيارات لا تعني، وفق المصادر، انسحاباً أميركياً سريعاً من الشرق الأوسط، إذ لا تزال واشنطن تحتفظ بقوات وسفن ومنشآت استراتيجية في المنطقة، فيما يتوقع مسؤولون في وزارة الدفاع استمرار وجود عدد من القواعد الرئيسية والدائمة.
ويأتي النقاش بعد نحو 25 عاماً من توسع الوجود العسكري والاستخباري الأميركي في الشرق الأوسط، خصوصاً عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، عندما أنشأت الولايات المتحدة شبكة واسعة من القواعد والمنشآت لدعم عملياتها العسكرية في أفغانستان والعراق وسوريا ومناطق أخرى.
ووصل الانتشار الأميركي في المنطقة إلى ذروته خلال حرب العراق، عندما بلغ نحو 250 ألف جندي، قبل أن يتراجع تدريجياً.
إلا أن صعود تنظيم داعش وتصاعد التوتر مع إيران أعادا واشنطن إلى تعزيز حضورها العسكري في فترات مختلفة.
وتشير «سي إن إن» إلى أن النقاشات الحالية تجري في ظل عدم وضوح شكل الاستراتيجية الأميركية لمرحلة ما بعد الحرب، بالتزامن مع توجه سياسي لدى ترمب نحو تقليص بعض أوجه الانتشار العسكري الأميركي خارج البلاد.
وفي المقابل، لا تزال التسوية التي تنهي الصراع مع إيران غير محسومة، بينما تستمر المخاطر التي تواجه القوات والمنشآت الأميركية في المنطقة، ما يجعل أي قرار بشأن حجم الانتشار مرتبطاً بالتطورات العسكرية والسياسية المقبلة.
ومن المتوقع أن تبقى بعض القواعد الكبرى جزءاً من الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، فيما قد ترتبط إعادة تأهيل المنشآت المتضررة بمدى استعداد الدول المضيفة للمساهمة في تكاليف الإصلاح، التي قد تصل إلى مليارات الدولارات.
وفي مؤشر على حجم التغيير المحتمل في بعض المواقع، نقل التقرير عن قائد العمليات البحرية الأميركية الأدميرال داريل كودل أن القوات الأميركية لن تعود إلى البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس، «في أي وقت قريب».

