تتجه الأنظار مجددًا إلى مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، مع تصاعد المخاوف من اضطراب حركة ناقلات النفط نتيجة التوتر العسكري المتزايد في المنطقة.
فبحسب استطلاع أجرته وكالة بلومبرغ وشمل عددًا من ملاك السفن الذين عبرت ناقلاتهم المضيق خلال الأسابيع الأخيرة، بدأ بعض كبار المشغلين في إعادة تقييم مدى أمان مواصلة الإبحار عبر هذا الممر البحري الحيوي، في وقت ترتفع فيه تكاليف الشحن وتزداد المخاطر المرتبطة بحركة التجارة النفطية في الخليج.
ويكتسب هذا التطور أهمية استثنائية لأن أي تغيير في قرارات ملاك الناقلات قد ينعكس مباشرة على صادرات النفط القادمة من الخليج، وعلى أسعار الخام في الأسواق العالمية، خصوصًا مع استمرار القلق من اتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
بلومبرغ: ثلاثة من أصل خمسة ملاك سفن يعيدون تقييم عبور المضيق
أظهر استطلاع أجرته وكالة بلومبرغ، شمل خمسة من ملاك السفن الذين عبرت ناقلاتهم مضيق هرمز خلال الأسابيع الماضية، أن ثلاثة منهم يعيدون تقييم مستوى المخاطر المرتبطة بمواصلة العبور، بينما أكد اثنان أنهما لم يدخلا أي تعديل على سياسات الإبحار حتى الآن.
وتشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل تدفقات النفط عبر المضيق قد يتأثر بقرارات عدد محدود من كبار ملاك السفن، خاصة في ظل حساسية المرحلة الحالية وارتفاع احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة.
سنوكر جروب في قلب المشهد..
وناقلاتها تحت المجهر
يعتمد جزء مهم من مستقبل حركة النفط عبر مضيق هرمز على موقف مجموعة “سنوكر جروب”، التي تُعد من أكبر مالكي ناقلات النفط العملاقة في العالم، وتلعب دورًا رئيسيًا في حركة الشحن عبر المضيق منذ اندلاع التوترات الأخيرة.
وبحسب التقرير، تعرضت إحدى ناقلات الشركة لهجوم يوم الثلاثاء، فيما نقلت بلومبرغ عن ثلاثة من وسطاء الشحن المتعاملين معها أنهم لم يتلقوا حتى الآن تحديثًا واضحًا بشأن قرار الشركة حول الاستمرار في إرسال ناقلاتها عبر المضيق.
هذا الغموض يضيف مزيدًا من القلق إلى الأسواق، لأن أي قرار تتخذه شركة بحجم “سنوكر جروب” قد يشجع شركات أخرى على تقليص المرور عبر المضيق أو إعادة ترتيب مسارات الشحن.
تهديدات متصاعدة ومخاوف من مواجهة أوسع
تزايدت المخاوف في أسواق الطاقة والشحن بعد تحذيرات أميركية من احتمال توجيه ضربات جديدة إلى إيران، إلى جانب حديث عن إمكان فرض حصار على موانئها، ما يرفع مستوى التوتر في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة لتجارة النفط.
وفي ظل هذه الأجواء، قد يتوقف حجم النفط المار عبر مضيق هرمز على استعداد عدد محدود من ملاك السفن لمواصلة الإبحار، وهو ما يمنح قرارات الشركات المالكة للناقلات تأثيرًا مباشرًا على أمن الطاقة العالمي.
حركة محدودة للملاحة على الجانب العُماني من المضيق
ورغم استمرار بعض الناقلات في العبور، بدت حركة الملاحة يوم الأربعاء محدودة على الجانب العُماني من مضيق هرمز، الذي تحول إلى مسار مفضل نسبيًا مقارنة بالمياه القريبة من النفوذ الإيراني.
كما أن تصاعد المخاطر دفع بعض السفن إلى إيقاف بث مواقعها أثناء المرور، في حين أدى خروج ناقلات ضمن قوافل بحرية إلى تفاوت أعداد السفن العابرة يوميًا، ما يزيد صعوبة تقييم الصورة الكاملة لحركة الملاحة الفعلية في المضيق.
ارتفاع حاد في تكاليف الشحن إلى أكثر من 340 ألف دولار يوميًا
على صعيد التكاليف، سجلت عوائد ناقلات النفط القياسية، التي تعكس كلفة تشغيل السفن المتجهة إلى الخليج العربي، ارتفاعًا ملحوظًا لتتجاوز 340 ألف دولار يوميًا يوم الأربعاء، بزيادة تقارب 50 ألف دولار مقارنة بنهاية الأسبوع الماضي.
ويعكس هذا الارتفاع حجم الضغوط التي يفرضها التوتر الأمني على سوق الشحن البحري، خاصة في ظل ضعف السيولة وتقلبات السوق منذ اندلاع المواجهة مع إيران، ما يرفع الأعباء على شركات النقل ومنتجي النفط في آن واحد.
ضغوط على منتجي الخليج والعراق خفض بعض الإنتاج
لا تقتصر تداعيات الأزمة على شركات الشحن فقط، بل تمتد أيضًا إلى منتجي النفط في الخليج الذين يواجهون صعوبة متزايدة في تأمين ناقلات مستعدة لدخول مضيق هرمز.
ويعني ذلك أن ارتفاع تكاليف النقل أو عزوف بعض السفن عن الإبحار قد يؤثر على قدرة الدول المصدرة على إيصال شحناتها في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، كانت العراق قد اضطرت خلال الشهر الماضي إلى خفض الإنتاج في بعض الحقول، نتيجة عدم توافر عدد كافٍ من الناقلات لتحميل الشحنات، في مؤشر واضح على أن أزمة الملاحة في المضيق لم تعد مجرد تهديد نظري، بل بدأت تنعكس فعليًا على عمليات الإنتاج والتصدير.
مضيق هرمز أمام اختبار جديد لأسواق النفط
تكشف التطورات الأخيرة أن مضيق هرمز عاد ليشكل نقطة اختبار حقيقية لأسواق الطاقة العالمية، ليس فقط بسبب التوتر العسكري، بل أيضًا بفعل هشاشة سلاسل الإمداد البحرية واعتماد السوق على قرارات عدد محدود من ملاك السفن وشركات النقل الكبرى.
ومع استمرار الترقب لقرارات الشركات المالكة للناقلات، تبقى الأسواق النفطية في حالة استنفار، لأن أي تراجع إضافي في حركة العبور أو ارتفاع جديد في تكاليف الشحن قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من تقلبات الأسعار واضطراب الإمدادات في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

