في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها العلاقات الدولية، تتجه العلاقات بين العراق وروسيا نحو مسارات جديدة تتجاوز الأطر التقليدية للدبلوماسية، لتأخذ طابعاً ثقافياً وشعبياً أكثر عمقاً، يهدف إلى بناء جسور تواصل طويلة الأمد بين الشعوب.
وخلال المشاركة العراقية في المنتدى الاقتصادي الدولي السابع عشر “روسيا – العالم الإسلامي: قازان 2026”، برز الحضور العراقي كأحد أبرز محاور النقاش، من خلال طرح مشاريع تعتمد على مفهوم “الدبلوماسية البلدية والشعبية” كأداة لتعزيز التعاون الثقافي والاقتصادي بين الجانبين.
وقد مثّلت المشاركة، التي ضمت شخصيات سياسية وثقافية بارزة، مساحة لطرح رؤى تتجاوز العلاقات الرسمية التقليدية، نحو استثمار الإرث التاريخي والجغرافي المشترك بين العراق ومنطقة الفولغا وجمهورية تتارستان.
النجف والبصرة على خارطة التوأمة الدولية
وخلال جلسة موسعة ناقشت “الأدوات الجديدة للحضور الإنساني في دول العالم الإسلامي”، كشفت نقاشات المنتدى عن تحركات لإطلاق مشاريع توأمة بين مدن عراقية وروسية.
وفي هذا السياق، طُرح مقترح لإقامة توأمة بين مدينة النجف الأشرف ومدينة بولغار التاريخية في تتارستان، بالاستناد إلى روابط تاريخية وروحية تعود إلى بدايات انتشار الإسلام في منطقة الفولغا.
كما جرى طرح مقترح مماثل لدراسة توأمة بين مدينة البصرة ومدينة قازان، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي، وفتح آفاق جديدة للشراكات التنموية والاستثمارية بين المدن.
وتعكس هذه المبادرات توجهاً متنامياً نحو توظيف الدبلوماسية المحلية كأداة داعمة للعلاقات الدولية، بعيداً عن الإطار الحكومي التقليدي فقط.
“على خطى ابن فضلان”..
مشروع يعيد قراءة التاريخ
ومن أبرز المشاريع التي حظيت باهتمام واسع داخل المنتدى، المبادرة الثقافية التي أطلقها البيت الروسي في العراق تحت عنوان “على خطى ابن فضلان”، والتي تستلهم رحلة الرحالة والمؤرخ العربي أحمد بن فضلان في القرن العاشر الميلادي.
ويهدف المشروع إلى إعادة إحياء هذه الرحلة التاريخية عبر بعثة ثقافية تنطلق من بغداد باتجاه تتارستان، مروراً بعدة دول من بينها إيران وتركمانستان وأوزبكستان وكازاخستان، في مسار يجمع بين التاريخ والثقافة والدبلوماسية المعاصرة.
ولا تقتصر المبادرة على الطابع الرمزي، بل تشمل تنظيم فعاليات فكرية ومعارض وندوات في محطات مختلفة على طول الطريق، بما يتيح تحويل الرحلة إلى منصة للحوار الثقافي بين الحضارات.
دبلوماسية شعبية ورؤية للتعاون المستقبلي
وشهد المنتدى أيضاً نقاشات موسعة حول دور الدبلوماسية الشعبية في تعزيز العلاقات بين الدول، حيث تم التأكيد على أهمية المراكز الثقافية والبيوت الثقافية المشتركة في تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع عملية على الأرض.
كما تم تسليط الضوء على الحضور الأكاديمي العراقي في روسيا، مع الإشارة إلى وجود مئات الآلاف من الخريجين العراقيين من الجامعات الروسية والسوفيتية، ما يشكل قاعدة بشرية مهمة يمكن البناء عليها في تعزيز التعاون العلمي والثقافي.
ويُنظر إلى هذه التحركات بوصفها محاولة لإعادة صياغة العلاقات العراقية الروسية على أسس أكثر تنوعاً، تجمع بين الاقتصاد والثقافة والتاريخ، وتفتح الباب أمام نماذج جديدة من التعاون الإقليمي والدولي.
وفي ضوء هذه المبادرات، يبدو أن “قازان 2026” قد تتحول إلى محطة مفصلية في مسار العلاقات بين العراق وروسيا، حيث تمتزج الدبلوماسية الرسمية بالقوة الناعمة، ويعود التاريخ ليشكل جسراً نحو المستقبل.

